الأربعاء، 30 سبتمبر، 2009

ملاحظات أولى حول منزلة الغير في الفلسفة الفرنسية المعاصرة

سارتر:

يندرج تفكير "سارتر" في مسألة "الغير" ( في علاقة بالبحث عن تحديد الإنساني في الإنسان") في إطار السياق الذي استحدثه "هيقل" و القائم على القطع مع التصور الديكارتي الذي يؤسس للإنية كأنانة مكتفية بذاتها ومنغلقة على ذاتها لا يكتسب في إطارها الغير غير منزلة العرض والهامش. في مقابل هذا الموقف يذهب سارتر إلى ما سبق وحدده هيقل من اعتبار العلاقة مع الغير هي المجال الذي يتشكل ويتحقق ضمنه الإنساني في الإنسان. فالإنسان لم يكن قط منغلق على ذاته في وحدته المتعالية وإنما كان دائما منفتحا ومرتبطا بالغير. و بعبارة أخرى فان تحقق "الإنساني" في الإنسان يضل مشروطا بتجاوز كل تحديد للإنساني في إطار مفاهيم الوحدة والثبات والتعالي نحو تأصيل الانية في إطار مفاهيم الكثرة والتعدد والاختلاف: تتجلى هذه الكثرة في التأكيد على البعد العلائقي للوجود الإنساني.
يمثل حضور الغير ضرورة بالنسبة لسارتر بحيث لا يمكن أن نفهم خصوصية الوجود الإنساني بمعزل عن هذا الحضور، غير أن ما يجب أن ننتبه إليه منذ البداية أن المشكل الأصلي لدى سارتر لا يتعلق بالغير فالغير لا يكتسب قيمة في ذاته وإنما يطرح سارتر مسألة العلاقة مع الغير في إطار رهانه الأولي المتعلق بقيمة الحرية بما هي القيمة الدالة على فرادة وخصوصية الوجود الإنساني على نحو كوني. فإذا ما كان الصراع الذي ينقاد إليه الأنا، عند هيقل، هو من أجل انتزاع اعتراف الآخر بسيادة هذا الأنا وتكريس حريته مقابل عبودية الآخر فان قيمة الحرية ، عند سارتر، هي التي تؤجج الصراع أصلا من أجل الاحتفاظ باستقلالية الأنا.
تبرز لنا "تجربة الخجل" أن حضور الغير هو مواز لسلب حرية الأنا إذ يحد من إمكاناتها الذاتية و حريتها وتوازنها النفسي. ففي حالة حضور الذات قبالة ذاتها و بمعزل عن أي حضور لطرف خارجي يكون الأنا في حالة تطابق كامل مع ذاته إذ يتصرف ويتحرك بكل تلقائية ووفق ما يرغب فيه. غير أن حضور الغير، حين يستشعر الأنا نظرة هذا الآخر المسلطة عليه حتى يستشعر إرباكا حقيقيا يتجلى في فقدان الأنا لعفويتها، التي هي دليل حريتها، لتتحول حالة الرضا عن الذات و التلقائية في التصرف إلى إحساس بالخجل والمهانة مصدره وعيه بكونه قد تحول إلى موضوع نظر أي إلى موضع نقد وتقييم بما يعني في نهاية الأمر أن هذه الذات، التي كانت في الأصل مركز ذاتها، قد تحولت إلى مجرد هامش وشيء من الأشياء. هذا التحول الذي يفرضه حضور الآخر هو في حقيقة الأمر تكريس لعلاقة متبادلة بين الأنا والغير إذ كلاهما يعمد إلى تشيئة الآخر وبالتالي موضعته.
ترجع علاقة الصراع والموضعة والتشيئة المتبادلة بين الأنا والغير إلى علاقة الانفصال بين الطرفين الناتجة والمتجلية في نفس الوقت في الانفصال الجسدي وما يفرضه من استقلالية فعلية لكل أنا عن الأنا الآخر . وهكذا فان كل طرف يتبدى بالنسبة للآخر كشيء في ذاته غير قابل للمعرفة والتواصل الحقيقي.
يدور هذا الصراع حول "الموضعة" ، ويتجلى هذا الصراع في كوني أعمل على اختزال الآخر في صورة موضوع للمعرفة والحكم، و بتحولي له إلى مجرد موضوع فاني أفقده بالتالي ضرورة ومباشرة حريته وإرادته ليكون مجرد شيء. لا يمكن للأنا أن ينظر للآخر إلا على هذا النحو أنه لو نظر الأنا للآخر على أساس كونه ذاتا فان الأنا سيتحول هو ذاته إلى موضوع وبالتالي إلى شيء. يقوم الصراع بيت الأنا والغير على أساس هذا الموقف المتبادل بين الأنا والغير حين يعمد كل طرف إلى تشيئة الآخر وموضعته حتى لا يتحول الأنا ذاته إلى شيء. لذلك يكون الاعتراف بالآخر كذات من باب التناقض والاستحالة لأنه يحيل مباشرة على افتقاد الأنا لحريتها وهي القيمة الكونية التي يفتقد بها الكائن الإنساني خاصيته الإنسانية إن افتقدها.
المكتسبات:
*تتأسس كونية " الإنساني" عند سارتر على قيمة الحرية كقيمة يختص بها الوجود الإنساني.
*يمثل حضور الآخر عائقا وخطرا يهدد هذه الحرية من جهة كون الآخر، كما تبرز ذلك تجربة الخجل، يعمد إلى موضعة وتشيئة الأنا.
*علاقة الأنا مع الآخر هي علاقة صراع تتجلى في الموضعة والتشيئة المتبادلة.
أسئلة تقويمية:
ما هي القيمة المؤسسة لكونية الإنساني عند سارتر.
ما هو مضمون وتبعات تجربة الخجل؟
حدد دلالة الموضعة.



* ليفيناس

لعل أهم ما يميز تفكير ليفيناس في مسألة الغير هواجسها العملية؛ إذ لا يتعلق الأمر بقضايا نظرية تعود على اهتمامات وانشغالات العقل ذاته ولكن يرتبط التفكير في مسألة الغير بواقع تاريخي/ إنساني يقوم على كثير من العنف تجاه الغير سواء باعتبار هذا الغير ثقافة أخرى أو بالأشخاص والفئات الذين دفعوا داخل حضارتنا المعاصرة إلى زاوية الهامشيين، وبشرا من الدرجة الثانية. يتعلق الأمر في النهاية بالنظر في منزلة الأرمل واليتيم والمعاق والمهاجر والأقليات والمعدمين، منزلة ارتبطت بممارسة جميع أشكال الاستبعاد والإقصاء والعنف تجاههم. تستلزم هذه الوضعية حسب ليفيناس أن نعيد التفكير في " الإنساني" وأن نعيد تحديدا التفكير في منزلة الغير وادعاء غيريته واستتباعات هذا الربط بين الغير والغيرية.
تستلزم هذه المراجعة، حسب ليفيناس، أن نعيد قراءة تاريخ الفلسفة الغربية. يجد هذا الربط بين الغير والغيرية، واستتباعاته القيمية والعملية المتمثلة في تهميش واستبعاد الغير، أساسه في الفلسفة اليونانية ذاتها. لم تفكر الفلسفة اليونانية في الإنسان إلا من جهة معرفية؛ أي تحديد شروط ومقتضيات تحصيل المعرفة اليقينية. على هذا الأساس تم النظر للفرد برده للنوع الذي ينتمي إليه، وأنه لا وجود للشخص في فرديته وإنما في ما هو عام ومشترك مع بقية الأفراد . يتعلق الأمر برفض الكثرة واعتبارها غير ممكنة أانطولوجيا ومعرفيا وخاصة عمليا. فالمعرفة غير ممكنة إلا ماهويا والوجود الحقيقي هو الوجود الماهوي الثابت. إن هذا النمط التفكير الماهوي لا يمكن أن يقود إلا إلى استبعاد الغير وربطه بمجال الغيرية ونفي إنسانيته وبالتالي تشريع العنف ضده. تثبت ملامح الحضارة اليونانية، مدى مشروعية تأويل ليفيناس لاستتباعات الربط بين التفكير في الإنساني ومقتضى التفكير الماهوي فالإنسان داخل هذه الحضارة تم حصره في اليوناني الرجل الحر، ووقع تنزيل الطفل والمرأة والعبد منزلة الأشياء، ووصم الغير يوناني بكونه بربري وغير إنسان.
لم تمثل فلسفة ديكارت، حسب ليفيناس، قطعا حقيقيا مع هذا التصور للإنساني وإنما هي استمرار لاستبعاد الغير وإقصائه من مجال "الإنساني" وربطه بالغيرية. فالأنا الديكارتي القائم بذاته والمكتف بها لتحقيق إنيته من جهة، ومبدأ الحرية المطلقة الذي يقوم عليه وجوده من جهة ثانية، يجعل منه "إمبراطورية مغلقة". ليس الغير، بذلك، غير موضوع ومجال للاستكشاف والمعرفة والهيمنة؛ وجوده كما حقيقته تخضعان بشكل مطلق لإرادة الأنا وما تقرره الذات حولها. تتقوم كامل الحضارة الغربية الحديثة والمعاصرة في إطار هذا السياق الذي خطه ديكارت: أولوية الأنا وحريتها المطلقة، التي لا يمكن أن تؤدي في نهاية الأمر إلا إلى حرية الهيمنة والتسلط على الغير.
رغم أهمية النقد الذي وجهه ليفيناس لذاتية ديكارت المتعالية، ومسلمة الحرية التي يقوم عليها موقفه، فانه يعتبر هذه اللحظة لحظة هامة من جهة تأسيسها لمفهوم الذات، تأسيسا سمح بالقطع مع منطق الانطولوجيا الذي يتعقل الوجود كوحدة كلية، ليس هناك من حضور في إطارها لغير النوع، وتغييب كامل لحضور الأنا الفردي. غير أن اكتشاف الذات وفصلها عن كلية الوجود وتمييزها عن الآخر لم يسمح في هذه المرحلة بالتفكير في الغير بما أن هذه الذات لا تحتاج لهذا الغير في تعيين إنيتها، إنها مكتفية بذاتها. ولكي يكون من الممكن فعليا التفكير في علاقة الأنا بالغير لا بد من إعادة النظر في الأساس، ذاته، الذي قاد لاكتشاف الذات، أي تجاوز الربط بين تأسيس الذات ومطلب اليقين/ المعرفة؛ إن الذات هي كائن حي قبل أن تكون كائن المعرفة؛ إنه يوجد داخل العالم، وانه من خلال اللغة ينفتح على الغير الذي هو ذاته ليس مجرد موضوع للمعرفة وإنما كائن حي.
تتمثل جدة مشروع ليفيناس في هذا التحول الذي فرضه على الفلسفة، والطريقة التي اعتادت أن تفكر من خلالها، أي أن لا يكون التفكير في الوجود والمعرفة هما اللذان يقودان للتفكير في المسألة الأخلاقية، وإنما الانطلاق من الأخلاق ذاتها كمبدأ أول لكل فعل فلسفي. يتعلق الأمر إذن بالإتيقا باعتبارها المجال الذي يجب أن تقارب داخله مسألة الذات بما أن هذا المجال تحديدا هو الذي يجعل من تفكير علاقة الذات بالغير مباشرا وصريحا. بقدر ما يحضر مفهوم الذات داخل فلسفة ليفيناس، في تواصل مع التقليد الذي دشنه ديكارت، وكرسته فيما بعد الفينومولوجيا، فان دلالة الذات والمجال الإشكالي الذي سيتم مقاربة المفهوم داخله يكاد يكون مستحدثا تماما، وهو ما يكسب أطروحة ليفيناس طرافتها.
يتمثل مشروع ليفيناس في دحض وتجاوز الأشكال المختلفة التي تعودت الفلسفة من خلالها النظر إلى الغير، باعتبار أن هذه الأشكال من العلاقة التي تعودت الفلسفة أن تنظر من خلالها للغير هي التي كرست كل أشكال العنف ضده، فهي نظرت إليه إما باعتباره:
- موضوعا للمعرفة وهو ما يدفع الذات إلى محاولة اختزال الغير في معطيات محددة تتناسب وانتظارات الذات بما يجعل من الذات قادرة على استيعاب الغير في بنيتها الخاصة بحيث تكون كل معرفة تملك. وجعل الذات موضوعا للمعرفة هو في نهاية الأمر سعي لامتلاكه.
- أو تشكيل العلاقة معه انطلاقا من مبدأ الحاجة بحيث يكون الغير موضوعا لاستكمال نقص داخل الذات. بذلك لا يكون حب الآخر حبا يتعلق بالآخر في ذاته وإنما اهتمام من الآخر انطلاقا من البحث على إشباع حاجاتي الخاصة، تكون العلاقة مع الغير مبنية في هذه الحالة على أنانية مطلقة للذات لا ترى في الغير إلا ما يشبع حاجاتها و بغض النظر عما يكون عليه الغير فعليا. وبالتالي يتنزل الغير منزلة الأداة و الوسيلة.
- الوجه الثالث للعلاقة الممكنة بين الذات والغير هي تلك العلاقة القائمة على إرادة الهيمنة والتسلط حيث تسعى الذات لبسط هيمنتها وإرادتها على الغير ولا ترى فيه بالتالي ندا لها وإنما فقط موضوعا لسلطتها إن العلاقة مع الغير لا يمكن تأسيسها انطلاقا لا من مبدأ المعرفة(تحويل الغير لموضوع للمعرفة ومن ثمة للتملك) ولا على أساس الحاجة( تحويل الآخر إلى مجرد وسيلة و أداة لإشباع حاجات الذات) ولا انطلاقا من إرادة الهيمنة( تحويل الغير لموضوع للهيمنة والتسلط).
مقابل هذه الأشكال من العلاقة التي يفضي لها التصور التقليدي للذات بداية من ديكارت ووصولا إلى الفينمولوجيا سعى ليفيناس إلى تأسيس شكل آخر من العلاقة. تبرز هذه الجدة كما أسلفنا في إعادة تشكيل مفهوم الذات ذاته، وتأسيسه داخل سياق الايتيقا وهو ما يعني النظر للذات لا ككائن متعالي منغلق على ذاته ومكتف بها وإنما باعتبار الذات "ذات مضيافة"« le sujet est un hôte ». تفهم الضيافة انطلاقا من تصور مخصوص للذات في علاقتها بالغير. يقوم هذا التصور على اعتبار حقيقة الغير مرتبطة بالضعف والهشاشة من جهة، و أنه من مسؤولية الذات مساعدة الغير من جهة ثانية. يمثل هذا التحول في ربط حقيقة الذات بالمسؤولية، عوض الحرية، نقطة ارتكاز ليفيناس في مقاربة علاقة الذات مع الغير.
يحيلنا مبدأ المسؤولية تجاه الغير في فلسفة ليفيناس إلى مفهوم مركزي داخل نسقه ألا وهو مفهوم "تجربة الوجه". ما يجب الانتباه إليه بداية أن ما يقصده ليفيناس بالوجه هو كل جزء من البدن يتجلى فيه الضعف ويمكن أن يوجه ضده العنف. إن اللقاء بالآخر يتم بتوسط الوجه؛ النظر في وجه الآخر وليس في عينيه هو الذي يشعرنا بالمسؤولية تجاه هذا الوجه العاري والمعرض لكل أشكال العنف وخاصة القتل. فالوجه ذاته وبقدر ما يجعله العري معرض للقتل فان هذا الوجه في عريه، الدال على ضعفه، ما يجعل من القتل ممنوعا و غير مقبول. تتجلى هذه المسؤولية تجاه الغير في أبسط مظاهرها في ما تستشعره الذات من ضرورة تبادل الحديث مع الغير والتوجه إليه بالكلام ولو كان ذلك بشكل مصطنع وتعلق فقط بمواضيع تبدو تافهة كالسؤال عن أحوال .
تتقوم العلاقة مع الغير إذن على أساس هذا الإحساس بالمسؤولية تجاه الغير، إحساس يجعل من كل إمكان لتملكه أو الهيمنة عليه غير مشروع. وبالتالي فما يحاول ليفيناس تأسيسه هو تأسيس لاستشكال العلاقة مع الغير داخل الايتيقا وليس داخل المعرفة، وانطلاقا من مقتضيات الإحساس بالمسؤولية تجاه الغير وليس اندفاعا تحت تأثير الاعتقاد في حرية الذات.
المكتسبات:
*يمثل مشكل العنف كممارسة تاريخية موجهة ضد الآخر حافز التفكير في مسألة الغير عند ليفيناس.
*يجد هذا العنف ضد الآخر، حسب ليفيناس أساسه في منطلقات الفلسفة اليونانية حين جعلت من البحث في الماهية أساس نظرها. إن كل تحديد ماهوي يفترض ضرورة استبعاد وإقصاء غير الماهية التي تم تعيينها.
* مثلت فلسفة ديكارت التي كرست مفهوم الذاتية إقصاء الغير واستبعاده حين جعلت من الحرية، أي حرية الذات، مسلمتها الأساسية
* يستلزم تحقيق الإنساني على وجه كوني تأسيس مفهوم الذات لا على أساس مفهوم الحرية وإنما على أساس مبدأ وقيمة المسؤولية التي تفرض على الذات مسؤولية أخلاقية تجاه الآخر تمنع كل إقصاء أو ممارسة للعنف ضده.

أسئلة تقويمية:
كيف يمثل التحديد الماهوي للإنسان تكريسا للعنف والإقصاء ضد الآخر؟
ما هي استتباعات ربط الذات بقيمة الحرية؟
على أية قيمة يجب تأسيس مفهوم الذات حسب ليفيناس؟
كيف يمكن لقيمة المسؤولية أن تكون قيمة كونية مؤسسة "للإنساني"؟


* الهوية المركبة :ادغار موران

كيف يمكن أن نتجاوز كل هذا العنف وهذه الفوضى التي تلف عالمنا المعاصر؟ وكيف يمكن أن تجاوز كل هذه التناقضات التي تزداد يوما بعد يوم وضوحا ما بين "الخير" و"الشر"؟ وكيف يمكن خاصة أن نأتمن هذا المستقبل الذي يتجه بشكل ثابت نحو اللايقين والعماء المطلق؟ تمثل مقاربة هذه التساؤلات وخاصة البحث عن إجابة، تكون ايجابية لها، رهان ومشروع ادغار موران كما عمل على توضيحه في الجزء الأخير(السادس) من مؤلفه الضخم "المنهج" La Méthode. يلاحظ موران بداية أن السؤال عن الإنسان لم يعرف حضورا وكثافة مثلما يعرفه اليوم داخل الثقافة المعاصرة. إن السؤال عن هوية الإنسان هو سؤال ثقافتنا المعاصرة بامتياز. تعود كثافة حضور هذا السؤال ليس لما تعرفه حضارتنا من كثافة العنف ووحشيته، فالعنف خاصية ملازمة للتاريخ البشري، وإنما لشيوع وكثافة حضور صور العنف ذاته و الذي لم يعد بالإمكان إخفائه تحت تأثير الآلة الإعلامية الضخمة اليوم كما تتجسد خاصة في التغطية الإعلامية التلفزية. السؤال عن الإنسان هو سؤال الراهن المرتبط بالمفارقات التي تشق الوجود الإنساني. تتعلق هذه المفارقات بتوزع الوجود الإنساني بين البناء والتهديم، وقدرة الإنسان اللامتناهية على الإبداع والتسامي ولكن كذلك هوسه بالعنف والتحطيم وتهديد الحياة، تمسكه بأكثر المعتقدات سحرية وأسطورية ولكن كذلك إبداعه للفلسفة العلم، قدرته على الحب كما الكراهية.
انطلاقا من هذه المفارقات التي تشق الوجود الإنساني يقر ادغار موران أن الهوية الإنسانية هي هوية قائمة على الكثرة، كثرة هي من صلب الوجود الإنساني ذاته، كثرة تتجلى في كون الإنسان هو كائن صانع و كائن اقتصادي وكائن المعرفة وكائن الانفعالات والرغبة، وهو الكائن الخير كما الكائن القادر على الإتيان بأعتى صنوف الشر... لذلك لا يمكن مقاربة الإنسان من جهة الوحدة ولا تعيين هويته كهوية بسيطة. إن الهوية الإنسانية هي هوية مركبة، وسواء تعلق الأمر بالأفراد أو بالثقافات فنحن أمام واقع إنساني يرتبط بالكثرة كما تتجلى في مفهوم "الهوية المركبة".
هذه الهوية المركبة، والمميزة للإنساني في الإنسان، لا يمكن مقاربتها إلا من خلال فكر هو ذاته مركب، منفتح على على معاني الأزمة والفوضى والصدفة واللايقين...المميزة لوجودنا الراهن. هذا "الفكر المركب" هو"تفكير يربط" pensée qui relie هذه الفوضى و هذا الشتات الذي يبدو لنا غير قابل للربط ويجعل بالتالي من هذه الفوضى التي تسم واقعنا الإنساني أقل بؤسا وعنفا. وبقدر ما أن هذا النمط من التفكير يمثل أداة مثالية بالنسبة للذكاء العملي، بما يمنحه من إمكانات على صعيد الممارسة السياسية لتجاوز مشكلات الوجود المشترك و تنظيم الشأن العام، فانه قادر على تنظيم "معيش" كل فرد في إطار حياته الخاصة، كذلك، بما يضفيه من وحدة على علاقات ومواقف كانت تبدو، لكل واحد منا، معزولة و مستقلة بذاتها.
هذه الهوية المركبة، والتي من مهمة الفكر المركب الكشف عنها يفهمها ادغار موران بما هي نتاج لترابط أبعاد ثلاثة هي التي تشكل حقيقة الوجود الإنساني؛ البعد البيولوجي والبعد الاجتماعي والبعد الثقافي. يمثل البحث عن الرابط بين هذه الأبعاد الثلاثة وإبراز وحدتها المركبة الخيط الناظم الذي قاد فكر ادغار موران. على هذا الأساس تتضافر في تشكيل الإنساني في الإنسان ثلاثة حدود يسميها موران " الثلاثية الإنسانية" المتمثلة في "الفرد" و"المجتمع" و"النوع"، وحتى وان كان من الممكن التمييز بينها فانه يضل من غير الممكن الفصل بينها. بذلك فان الفرد يحمل داخل خصوصيته الفردية البيولوجية كامل البعد الثقافي المميز للنوع الإنساني كما كامل الخصائص القيمية/الاجتماعية المميزة للمجتمع الذي ينتمي إليه. إنه الصورة المجسمة التي تحوي داخلها الكل: خصائص النوع الإنساني الكونية كما مميزات الثقافة الخصوصية التي ينتمي إليها، فيما يبقى مع ذلك وحدة متميزة ومتفردة.

تجد هذه الهوية المركبة أساسها في "الطبيعة المزدوجة" للوجود الإنساني. فإذا ما كان كل فرد، وبما هو فرد، يحمل ضرورة خاصيات بيولوجية و نفسية تحدد وتتجلى فيها فرديته وتمايزه عن الغير، وهذه الخاصيات البيولوجية هي التي تحفظ بقائه وتضمن استمراريته ، فان هذه الخاصيات ليست ثابتة أو نهائية، وإنما خاضعة للتغير و قابلة للصيرورة بفعل التأثير الذي تمارسه مقتضيات الوجود الاجتماعي والثقافي على وجودنا الفردي، والتي تجعله، ضرورة، منفتحا على الغير، إذ أن هذا الانفتاح على الغير هو الذي يربطنا بحدود الوجود الثقافي والاجتماعي، وهذا البعد الاجتماعي الذي يفرض انفتاح الكائن الإنساني على الغير يجد عمقه الحقيقي في اشتراكنا مع بقية البشر في الانتماء للنوع الإنساني وفي إطار كونية الوجود الإنساني، لذلك وتحت تأثير هذه المقتضيات الاجتماعية والثقافية التي تحكم وجودنا الإنساني، فانه لا يمكن الحديث عن هوية فردية خالصة تتشكل داخل الأنا على نحو يستبعد حضور الغير ويستعديه، كما لا يمكن للكائن الإنساني أن يذوب في المجتمع أو في النوع لأنه في هذه الحالة لن يستمر في البقاء أصلا. يتعلق الأمر، إذن، أن ننظر في عمق الكائن الإنساني ذاته وما يتقوم به من كثرة لتأسيس ايتيقا تكون قادرة على الاضطلاع بضمان هذا التلاقي مع الغير في إطار ما يميزه من طبيعة مزدوجة.
تجد هذه الإيتيقا أساسها في عمق الطبيعة الإنسانية المزدوجة وهي تتشكل لدى الفرد في إطار وعي أخلاقي ذا بعد تاريخي يتحدد بتطور العلاقة ما بين الفردي والاجتماعي والكوني. وهذا الوعي الأخلاقي الفردي ليس غير نتاجا تاريخيا لتطور العلاقة بين الأبعاد الثلاثة المكونة للوجود الإنساني: الفرد والمجتمع والنوع. في إطار هذه الايتيقا يكون الفعل الأخلاقي هو الفعل الذي يربط الفرد بالغير. لتكون الإيتيقا ذاتها إيتيقا مركبة.
إن هذه الإيتيقا المركبة تربط، بداية، الذات بذاتها، حين تجعلها قابلة وقادرة على مراجعة ذاتها والقيام بعملية نقد ذاتي ، والتخلي خاصة عن ما اعتادت عليه من تبرير ذاتي لكل أفعاها و أخطائها ورد الخطأ إلى الغير ، ولكن هذه الإتيقا كما تربط الذات بذاتها فهي تربط الذات بالغير. ليفيد مفهوم الإيتيقا المركبة الانفتاح على الغير والتضامن معه والقدرة على مراجعة الذات والاعتراف بالخطأ. ليتعلق الأمر بإيتيقا الفهم المتبادل بين الذات والغير.
يتعلق الأمر في نهاية المطاف لا أن نقف عند هذا التعقيد المميز لوجودنا الإنساني ولكن أن ننفتح على هذا الغير لأنه بانفتاحنا عليه ننفتح على ذواتنا أصلا.

المكتسبات

* يتنزل تفكير "ادغار موران" في مسألة التواصل في إطار حالة الفوضى و العنف المميزة لحضارتنا المعاصرة بما يجعل من تاريخ الانسانية مهدد بشكل جدي.
* يعود هذا العنف المستشري داخل حضارتنا إلى التناقضات التي تتحكم في الطبيعة الانسانية بين قطبي الخير والشر الذان يتملكانه.
* الهوية الانسانية قائمة على منطق الكثرة التذي يتجلى في ارتباط هذه الهوية بثلاثة أبعاد هي الهوية الفردية البيولوجية والهوية الثقافية و انتمائه للنوع الانساني.
هذا التركيب هو الذي يفرض على الأنا الانفتاح على بقية مكونات هويته، و تجاوز فرديته الضيقة، فيكون من الضروري بالنسبة له أن ينفتح على الاخر الذي يشترك معه في الانتماء لنفس الثقافة كما مه الآخر الذي يشترك معه في صفة أعم هي الانتماء الانساني.
يستلزم هذا الانفتاح على الابعاد الثلاثة المكونة للهوية الانسانية تأسيس ايتيقا تكون ذاتها مركبة تقوم على أساس قدرة الفرد على مراجعة ذاته قيما وممارسة، والقبول بالاخر.






الجمعة، 25 سبتمبر، 2009

مدخل عام للبرنامج: مطلب الكلي
* يحدد كانط مطلب الفلسفة في السؤال عن الإنسان، فكل أسئلة الفلسفة إنما تنتهي في نهاية الأمر إلى سؤال ما الإنسان؟
* السؤال عن الإنسان ليس خاصية ينفرد بها التفكير الفلسفي عن بقية أشكال الوعي الإنساني فالأسطورة كما الدين كما الفن والعلم جميعها خطابات تسأل عن الإنسان وتبحث فيه.
* ما يميز النظر الفلسفي في الإنسان مقارنة بمختلف أشكال الوعي الأخرى هو إنشداد السؤال عن الإنسان بمطلب الكلي/الكوني.
* يحيل الكلي على مجالين:
- المجال المعرفي حيث يفيد الكلي الحقيقة المطلقة واليقينية باعتبارها الحقيقة التي يشرعها العقل على نحو كلي يتقابل مع ما هو نسبي وجزئي ومتغير.
- المجال القيمي حيث يفيد الكلي / الكوني ما تشترك فيه الإنسانية قاطبة من قيم أخلاقية وجمالية، هي ما يعين وحدتها و ييسر العيش المشترك بين أفرادها.
* البحث في الإنسان على نحو كلي يطلب تحديد حقيقة يقينية وثابتة للإنسان تكون محل وفاق وإجماع بين الإنسانية بما يضمن "العيش المشترك"
* استشكال مفهوم الكلي:
هذا الرهان على كلية المعرفة كما كلية القيم ألا يمكن أن يتحول إلى وثوقية معرفية وكليانية قيمية تكرس الهيمنة والتسلط ضدا على مطلب العيش المشترك ذاته.
تتعلق المسألة في نهاية الأمر بالنظر إلى الكلي لا كمعطى أو كبداهة قائمة بذاتها على نحو مطلق وثابت وواحد وإنما النظر إلى الكلي بما هو مهمة بقدر ما تحررنا من الريبية و اعتبار الاختلاف المفضي للتصادم قدرا فإنها تحصننا من الوثوقية والكليانية التي لا يمكن أن تكون إلا المقابل لإمكان العيش المشترك.

الخميس، 24 سبتمبر، 2009

مدخل إشكالي لباب "الإنساني بين الوحدة والكثرة"

"الإنساني بين الوحدة والكثرة"

- الإنساني : *موضوع البحث والنظر، ما يتعلق به المشكل: تحديد وتعريف ومسائلة "الإنساني" هو موضوع الباب الأول ومدار انشغالنا خلاله.
: *ما يتحدد به الإنسان كانسان، ما يعين فرادته وتميزه عن بقية الموجودات، " ما يقيم خطا فاصلا بين الوجود الإنساني والوجود الحيواني".( ملاحظة: "الحيواني" لا يهمنا في ذاته، وكل إشارة أو استدعاء له إنما هو مجرد وسيلة لتدقيق النظر في الإنساني من خلال فعل المقارنة.)
- بين : يتعلق الأمر بتقرير علاقة بين حدين، إمكانيتين، موقفين، أطروحتين ممكنتين حول تحديد وتعريف "الإنساني" لكن دون إحالة مباشرة على شكل العلاقة: التسليم بوجود علاقة دون تحديد طبيعتها، هل هي علاقة تقابل وتنابذ أم علاقة تكامل و تلازم.
- الوحدة : ما هو مقابل للكثرة، البسيط الذي لا يقبل القسمة لأنه لا يشتمل على أجزاء وإنما هو واحد. ما هو ثابت، مطلق، يقيني، متعالي. ربط "الإنساني" بالوحدة هو ربط لحقيقة الإنسان بجملة المعاني السابقة، فنكون بذلك أمام تحديد ميتافيزيقي للإنسان.
- الكثرة: تقال على الذي يقبل القسمة بما هو مركب من أجزاء وعناصر وان كانت متمايزة فان اجتماعها يشكل وحدة فيما بينها. والكثرة في إطار الشأن الإنساني تتعلق بافتراض الوجود الإنساني هو وجود علائقي يرفض اختزال الإنسان في بعد واحد أو انغلاقه على ذاته ضدا على ما هو خارج الذات.

المشكل: ضمن أية حدود ومقتضيات يجب تعريف وتحديد "الإنساني" على نحو كلي؟ هل في تنزيل "الإنساني" ضمن مبدأ "الوحدة" ومجاله مستبعدين مبدأ "الكثرة" باعتباره لا يستوفي مطلب الكلي؟ أم أن شرط تحديد "الإنساني" على نحو كلي هو ذاته ما يستلزم النظر للإنساني ومقاربته انطلاقا من مبدأ الكثرة؟
الإشكاليات الفرعية:
- أية ضرورة تستدعي التفكير في الإنسان؟ وما هي خصوصية التفكير الفلسفي فيه؟
- ما دلالة ربط الإنساني بالوحدة؟ و أي اقتضاء معرفي وقيمي يشرع لهذا الربط ويستدعيه؟
- أية احراجات يثيرها هذا الربط؟ وبأي معنى يكون إثبات الكثرة والاعتراف بها داخل الإنساني شرط تحديده كونيا؟
- ما هي تجليات استشكال هذه العلاقة الملتبسة بين الوحدة والكثرة في تعريف الكائن الإنساني؟ هل في ربط الإنية بالوحدة و استبعاد الكثرة من تعيينها(الإنية)، تشريع وتبرير لإقصاء الآخر(العالم والجسد والتاريخ والغير) و إثبات لغيريته؟ أم أن نفي غيرية الآخر و اعتبار الانفتاح عليه والاعتراف به شرط إمكان تعيين الإنية على نحو كوني؟ (محور الإنية والغيرية)
- إذا كان من غير الممكن تعيين الانية وتحقيقها بمعزل عن الآخر/ الغير فما خصوصية الوسائط التي تضمن التواصل معه؟ و إلى أي حد تكون هذه الوسائط قادرة على الإيفاء بمطلب التواصل؟(محور التواصل والأنظمة الرمزية)
- إننا نوجد كذوات فردية نتواصل فيما بيننا ولكننا نوجد كذلك كذوات ثقافية نحمل هوية ثقافية مخصوصة فهل أن الاعتراف والتمسك بهذه الخصوصية الثقافية يمثل عائقا أمام التواصل مع الآخر الثقافي أم أن عوائق التواصل الثقافي لا تعود إلى واقع الاختلاف ذاته وإنما إلى إرادة الهيمنة والسيطرة التي تحرك وتوجه علاقة بعض الثقافات ببقية الثقافات الأخرى؟ (محور الخصوصية والكونية)

الجمعة، 11 سبتمبر، 2009