الاثنين، 19 أبريل 2010

الأخلاق الخير والسعادة اعداد أبو نادم المرزوقي


إن المشاكل التي تطرحها المسائل العملية سواء في مسألة العمل وما تفتح عليه من أشكال الاغتراب و ربما حتى استغلال و استعباد, أو في المسالة السياسية وما تفتح عليه من اغتراب سياسي و من فساد يجعل المواطنة مجرد فكرة صورية أو مثال أعلى يُشرَّع له قانونيا، في مقابل ممارسة سياسية تحول المواطن إلى مستهلك و تجعل الدولة تستبد بالسيادة فتقضي على المواطنة كما السيادة في واقع العولمة الموجهة من قبل القوى الامبريالية في العالم, أو حتى في مستوى الممارسة العلمية التي تمثلها النمذجة النسقية و ما تفتح عليه من تهميش لمطلب الحقيقة كقيمة معرفية و العلاقات المشبوهة بين المعرفة و السلطة, و التدخل العلمي في التركيبة الجينية للنباتات و الحيوانات و حتى الإنسان من اجل تحقيق النجاعة والمردودية... 

كل هذه المشاكل و ما تطرحه من احراجات و مفارقات بالنسبة لفكر كائن يتحدد باعتباره قيمة، تجعل الفلسفة الأخلاقية اليوم، و أكثر من أي وقت مضى, ضرورة حياتية إذا ما رام الإنسان الحفاظ على إنسانيته و تحقيق كونية أصيلة تصالح بين الإنسان و الإنسان, وبين الإنسان و الطبيعة في زمن الحد الأقصى من التواصل الذي غدى هو ذاته في حاجة إلى إيتيقا تنير له السبيل الأصيل لتواصل حقيقي. إن واقع الإنسان اليوم، يعلن الحاجة الملحة لعودة الفلسفة الأخلاقية و الإيتيقية، فطلب الأخلاق يبدو متزايدا اليوم, و لكن ماذا نعني بالأخلاق و ماذا نعني بالإيتيقا؟
إن كلمة إيتيقا Ethique الفرنسية من أصل يوناني، و تعني البحث عن نسق مبادئ تهدف إلى وجود خير و سعيد, في حين أن كلمة أخلاق Morale الفرنسية من أصل لاتيني، و تتحدد كنظرية في الجبر، نظرية في القانون و الواجب الأخلاقي باعتباره لا مشروط و كوني. و يجب أن نلاحظ أن الإيتيقا تشهد اليوم أكثر حظوة في مقابل احتشام الاهتمام بالأخلاق. و الإيتيقا اليوم تفيد عموما النظرية العقلانية حول الفعل و الحياة الخيرة و بالتالي تتمثل في دراسة مشاكل القيم التي تطرحها مسائل المحيط (إيتيقا المحيط) و الممارسات الطبية (البيوايتيقا)... ذلك أن القانون الأخلاقي و الـجبر الأخلاقي يشهد اليوم تراجعا أمام الحياة الخيرة. و من هذا المنطلق يبدو من المشروع بالنسبة إلينا أن نطرح المشكل الإيتيقي الذي يتعلق بالخير و السعادة و إذا كان الخير الأسمى هو المطلب الأساسي في الفعل الأخلاقي , ففيما يتمثّل هذا الخير الأسمى؟ هل يتمثل في الخضوع لأوامر الواجب أم في تحقيق السعادة ؟ أليس الإقرار بأن السعادة هي الخير الأسمى هو نفي لصفة الأسمى على الخير مثلما بيّن ذلك كانط؟ ألا تمثّل نسبية السعادة حاجزا يعوق توحّدها مع الخير الأسمى و بالتالي تقضي بضرورة الفصل بين الخير و السعادة و بين الأخلاقية و السعادة على أساس لا تحدد السعادة؟ و بهذا المعنى ألا يكون الخير الأسمى باعتباره الأخلاقية شرط السعادة دون أن يتماهى معها ؟ ثم كيف نعرف ما هو خير، هل يتعلق الأمر بالخيرات أي بما يريد الفرد تحقيقه لذاته آو حتى ليتقاسمه مع الآخرين؟ أم هل يتعلق الأمر بخير فعل ما سنفعل, وهو ما يحدد الفضيلة عند الرواقيين؟ أم هل يتعلق بمثال الخير، الخير في ذاته باعتباره الغاية القصوى لكل فعل ممكن مثلما ذهب إلى ذلك أفلاطون؟ و كيف يمكن أن نحدد الخير خارج علاقته بالسعادة؟ ثم قبل ذلك ما هو مصدر القيم الأخلاقية، هل هي واردة من أفق متعال أم أن الإنسان واضعها ؟

I
مصدر القيم الأخلاقية:

إن القيم الأخلاقية، من الزاوية المنطقية، يمكن أن تكون صادرة إما عن كائن متعال وهو موقف شائع تربط فيه الأخلاق بالدين، موقف بينت المقاربات الموضوعية تهافته، وإما الإنسان وهو الأصل الذي يعترف به الفلاسفة و المفكرين. غير أن المفكرين والفلاسفة وإن اتفقوا على كون مصدر الأخلاق هو الإنسان فقد اختلفت رؤاهم فمنهم من اعتبره الإنسان كعقل ومنهم من اعتبره الإنسان كرغبة ومنهم من اعتبره الإنسان كمجتمع.

1)
كانط: العقل:

يريد كانط أن يحدد المبدأ الأساسي لكل فعل أخلاقي أي المبدأ الصوري الذي تستمد منه القواعد الأخلاقية, فهو إذن على خلاف الفلاسفة لا يقدم نسقا أخلاقيا يضبط فيه الواجبات الأخلاقية وإنما يبحث في المبدأ الأساسي لكل فعل أخلاقي, لذلك يطرح كانط سؤال يتعلق بالمفهوم المركزي الذي تدور حوله الأخلاق ليجيب بأن الواجب هو هذا المفهوم, فالواجب عند كانط هو جوهر التجربة الأخلاقية. والواجب يمثل الجبر الأخلاقي في ذاته بقطع النظر عن تطبيقاته وعلى هذا الأساس يتحول سؤال ما هو مصدر الأخلاق؟ مع كانط إلى ما هو مصدر الواجب؟
الواجب كمفهوم يتسم بالكونية والضرورة لا يمكن أن يكون حسب كانط نتيجة للتجربة والخبرة ذلك أن الكونية والضرورة هي ميزات ما هو قبلي فالواجب عند كانط هو إذن مفهوم قبلي. كمفهوم قبلي لا يمكن أن يكون الواجب صادرا إلا على العقل، لذلك يميز كانط بين الأمر الشرطي والأمر القطعي, فالأول هو أمر يربط بين الفعل والمنفعة التي تتحقق منه وهذا يعني أن الفعل وفق الأمر الشرطي لا يكون ضروريا بصفة محضة فهو ضروري لتحقيق غاية ولذلك لا يعبر الأمر الشرطي عن الواجب باعتباره كوني وضروري. فالواجب ككوني وضروري لا يمكن أن يكون إلا أمرا قطعيا يأمر دون شرط فهو يضبط الإرادة بالقانون وهذا يعني أن الأمر القطعي وحده يمثل قاعدة أخلاقية بالنسبة لكانط.

2)
دوركايم: المجتمع
:
أما في المنظور السوسيولوجي فإن مصدر الواجب والأخلاق هو المجتمع، إذ ينفي دوركهايم أن يكون الواجب صادرا عن العقل أو عن الدين, فمن هذا المنظور تجد الأخلاق مصدرها في المجتمع. وتناول دوركهايم للمسألة الأخلاقية يجد منطلقه في تحليل الضمير باعتباره ملكة الحكم القيمي على أفعالنا, فالضمير يمثل صوت الواجب ويعبر عن الخاصيتين الأساسيتين للواجب:

-
كون الواجب خارج عن الفرد والدليل على ذلك أن الواجب لا يتطابق في كل الحالات مع طبيعة الفرد ومزاجه.
- القهر والإلزام ( ضد كانط لأنه يفصل بين الواجب والعقاب فالقيام بالواجب لتجنب العقاب هو خضوع لأمر شرط في حين أن الواجب أمر قطعي) وهذه الميزة تظهر فينا بتأنيب الضمير عندما لا نخضع للواجب وتأنيب المحيطين بنا. ويجب أن نلاحظ أن صفة القهر والإلزام هي في الحقيقة صفة ملازمة لكل الظواهر الاجتماعية بالنسبة لدوركهايم.
الواجب بما هو خارج عن الفرد وبما هو متميز بالقهر يجد مصدره في المجتمع, فالمجتمع هو الذي وضعه فينا بالتربية والتنشئة. وهكذا يرجع دوركهايم الأخلاق كظاهرة اجتماعية إلى الضمير الجمعي وتتحدد في نهاية الأمر باعتبارها وظيفة في المجتمع , فالأخلاق تقوم بوظيفة خلق التماسك والوحدة الاجتماعية لذلك يحدد دوركهايم الخير باعتباره الأخلاق وقد تمثلت شيئا حسنا والمجتمع هو الخير باعتبار أن المجتمع حقيقة أثرى من حقيقة الفرد, إذ بالاجتماع يحقق الإنسان إنسانيته.

لكن إذا كان كانط أسس أخلاق صورية قال عنها هيجل أنها غير صالحة ولا تجعل الفعل ممكنا فإن دوركهايم قد أهمل- عندما حدد مصدر الواجب باعتباره المجتمع-التفاعل بين الوعي الفردي والوعي الاجتماعي إذ تبين لنا التجربة أن الفرد، و في كثير من الحالات، هو الذي يبادر بإرساء قيم تصبح عامة بموجب التكرار والتعود.

3)
نيتشه: إرادة القوة:

الأخلاق الحق عنده تتجاوز حقل الواجب لأن الواجب هو تقنين السلوك الموجه ضد الحياة. فالإنسان عند نيتشه هو قبل كل شيء إرادة القوة لذلك يسعى إلى تفسير نشأة الأخلاق المثالية جينيالوجيا بإرجاعها إلى أصلها لكن إذا كانت الأخلاق صادرة عن إرادة القوة فكيف تكون أخلاق الفلاسفة المثاليين موجهة ضد الحياة؟
إن إرادة القوة عند نيتشه منشطرة إلى إرادة حياة وإرادة عدم وهذا الانشطار ناتج عن دينامية الرغبة ذاتها بما هي ماهية الإنسان, فالرغبة كرغبة تسعى إلى الإشباع وبالتالي تفتح على اللذة فتتحدد باعتبارها إرادة حياة، فالإشباع هو تمجيد للحياة و إقرار لها، و لكن أيضا، الرغبة كرغبة تبحث عن الإشباع تنفي موضوعها و بالتالى تفتح على الموت فتتحدد كإرادة عدم.

إرادة القوة عندما تكون في أوجها وصاعدة تناشد الحياة وتمجدها لأنها قادرة على فرض سلطانها وقوتها لكن بما أن كل قوة مآلها الضعف و بالتالي الانحطاط فان إرادة القوة الواهنة تنتج القيم والأخلاق, أخلاق الشفقة كحيلة للمحافظة على بقائها فتنقد اللذة والرغبة وتحاصرها ومن هنا تظهر حسب نيتشه نقمتها على الحياة, هذا يعني أن نيتشه يرجع كل وجود إما إلى القوة وإما إلى الضعف والضعف هو مصدر أخلاق الشفقة لذلك ينظر نيتشه لأخلاق الأقوياء, الأخلاق التي تقوم على القوة وإرادة الحياة، ذلك أن أخلاق الشفقة تمنع الإنسان من بلوغ أعلى درجات القوة و البهجة و بالتالي السعادة.

و هكذا نتبيّن اتفاق كل المقاربات الفلسفية حول اعتبار القيم جوهرية وأولية في الأخلاق, فحتى المقاربة الجينيالوجية التي طرحت قيمة القيمة ونقدت القيم انتهت إلى وضع القوة كقيمة. والفعل الأخلاقي عند الفلاسفة هو الفعل الذي يتطابق مع مبادئ الخير. لكن فيما يتمثل هذا الخير؟ في الواجب أم في السعادة؟ وما هي طبيعة العلاقة بين الخير والواجب والسعادة؟

) السعادة كواجب

إن الأنساق الأخلاقية السابقة لكانط ترى في السعادة غاية كل فعل إنساني، فهي الخير الأسمى لذلك تسمى أخلاق أودونية. في حين يعتبر كانط أن الفعل الأخلاقي هو الفعل الذي يقوم بالواجب من أجل الواجب .فهل يعني ذلك أن القيام بالفعل من أجل تحقيق السعادة هو فعل لا أخلاقي؟
يلاحظ كانط أن السعادة بما هي حالة كمال هي مفهوم غامض لأنه يرتبط بالتجربة فالسعادة عنده هي مثل أعلى لا للعقل بل للتخيل يقوم على مبادئ خبرية فحسب. فالسعادة إذن، ليست مفهوما عقليا وترتبط برغد العيش، لذلك لا يمكن تحديدها, فرغد العيش يختلف من شخص إلى آخر بحسب خبرته وميولا ته لذاك يرى كانط أن السعادة ليست من مجال الأخلاق, فمجال الأخلاق هو مجال ما هو عقلي, كوني وضروري أي واجب. ومجال السعادة حسب كانط هو الدين لأن السعادة هي موضوع أمل و من حق الإنسان ككائن رغبة أن يأمل في أن يكون سعيدا دون أن يناقض ذلك الواجب. فما هو أولي بالنسبة لكانط هو الأخلاق الكونية ولا يهدف أي فعل في المجال العملي إلا إلى تحقيق الفضيلة باعتبارها طاعة الأمر القطعي. لكن ذلك لا يمنع من أن تكون مقولات العقل العملي مقبولة في حقل الأخلاق وهو ما يضفي مشروعية على البحث عن السعادة. يقول كانط: «الأخلاق ليست إذن نظرية تعلمنا كيف يجب أن نكون سعداء ولكن تعلمنا كيف يجب أن نكون جديرين بالسعادة, ذلك أننا لا نأمل في تحقيق السعادة إلا بتدخل الدين». وهكذا يكون البحث عن السعادة عند كانط أمرا مشروعا وواجبا في معنى ما بما أن التعاسة ليست ظرفا مناسبا للقيام بالواجب. السعادة كموضوع أمل بالنسبة لكانط لا تتحقق في الأرض و تبقى موضوع أمل مشروع ليس إلا. و هكذا يرتبط كانط الحرية بالعقل، فالإرادة الخيرة هي التي تخضع لإرادة القانون العقلاني والكوني أما الإرادة التي تخضع للرغبات الحسية فهي إرادة مرضية بالمعنى الكانطي أي لا تخرج عن تأثير الحواس, فالحرية والعقل لا ينفصلان عند كانط الذي يقول : "الحرية هي خاصية إرادة كل كائن عاقل"، وبالتالي لا تكون السعادة بالنسبة لكانط شأنا سياسيا.

2)
في تضايف الخير و السعادة
:
غير أن أرسطو على خلاف كانط يرى أن تحديد الخير يقتضي اعتباره من جهة كونه غاية جماعية لا فقط كغاية فردية, ذلك أن الإنسان عنده هو حيوان اجتماعي, و من هذا المنطلق تعتبر الإيتيقا بالنسبة إليه معرفة متعلقة بالفعل, و ترتبط بالخير الأسمى الذي يمثل غاية كل فعل إنساني, والخير الأسمى هو السعادة, و هكذا فإن السعادة عند أرسطو تتمثل في فعل عقلي يتحدد في التأمل كنشاط عقلي, الذي يتماهى و الفضيلة. يقول أرسطو "إذا لم تكن السعادة حقا إلا الفعل المطابق للفضيلة، فمن الطبيعي أن يكون الفعل المطابق للفضيلة التامة، أعني فضيلة الجزء الأعلى من الإنسان". وهو ما يعني أن السعادة هي نتيجة الحياة الفاضلة. وبما أن الفضيلة ترتبط بالتأمل العقلي الذي يمثل ما هو أعلى في الإنسان، فإن السعادة تتجاوز اللذة الحسية البسيطة من جهة كون اللذة مؤقتة في حين أن السعادة لا زمنية ودائمة، والتأمل العقلي هو الذي يحقق ثباتها دوامها. وبالتالي فإن الحكيم الذي يتأمل الخالد في حياة رفاه يجسد الإنسان السعيد. وهذا الموقف الأرسطي ينخرط في التصور الإغريقي الأودوني Edémoniste الذي يقر بأن السعادة هي غاية كل فعل، وتتحدد السعادة باعتبارها تطابق بين الإنسان ونظام الطبيعة. ولكن يجب أن نلاحظ أن أرسطو يربط بشكل صريح البحث عن السعادة بالتنظيم العقلاني للحياة الاجتماعية. فالإيتيقا ترتبط بالسياسة، وخير الفرد يتوقف على الخير الأسمى للمدينة وبالتالي للدولة. وبما أن السعادة هي مثال أعلى وهدف، فإنه من الضروري تعميمها وأنسنتها وبالتالي تسييس البحث عن السعادة.

تلك هي أيضا وجهة نظر الموقف النفعي. ذلك أن اشباع اللذات لا يقود إلى السعادة إلا في إطار المصلحة العامة. والنفعية هي موقف جيريمي بنتام Jeremy Bentham الذي انتهى إلى تجريد القيم الأخلاقية من كل أساس مرجعي متعال، بما أن المبدأ الأخلاقي الوحيد عنده هو مبدأ المنفعة بمدلولها الخاص و الفردي. و رغم تأكيده على دور الدولة في ضمان النفع لأكبر عدد من الأفراد، فإن بنتام يخلص إلى أنه يجب على الفرد أن يتحقق من المنفعة التي تعود عليه هو ذاته من الفعل قبل أن يقوم به. ومن هذا المنظور المادي يذهب بنتام إلى التأسيس "لعلم حساب اللذة والآلام"، قاصدا أن يكون معيارا لقياس السلوك الأخلاقي والعملي قياسا كميا. وبما أن المبدئية الأخلاقية هي المنفعة، فقد كان لازما على هذا العلم أن يؤسس لطريقة تمكن من قياس اللذة، تلك التي يصنفها بنتام إلى نوعين "متجانسة" و"غير متجانسة ويحرص بنتام على التأكيد على أن مقياس الكم قابل لقياس ما يسميه باللذات المتجانسة، غير أنه عندما يبحث اللذات غير المتجانسة، كلذة القراءة مثلا وغيرها فإنه اعترف بصعوبة حسابها كميا. لذا نجده يبحث عن مقياس آخر يقاربها به والمقياس البديل الذي وضعه لا يخرج عن الرؤية الكمية النفعية التي تحكم منظوره ككل؛ ذلك أنه رأى أن هذه اللذات غير المتجانسة يمكن قياسها بـالمال أي أنه يجب على الفرد أن يقيس تلك اللذة بمقدار ما يصرفه من مال لتحصيلها، فإذا كان المبلغ المالي الذي تحتاجه مكلفا يجب أن يعرض عنها إلى لذة أقل منها كلفة. 

و جون ستيوارت ميل John Stuart Mill، الذي يحدّد السعادة من زاوية مادية وجماعية، والذي يستعمل مفهوم الخير باعتباره مجموع الخيرات التي يمكن الحصول عليها يسير في نفس اتجاه بنتام عندما أقر : "نعني بالمنفعة امتلاك أي شيء ننحو بفضله إلى تحقيق مصلحة، مكسب، لذة، خيرا او السعادة". وهو موقف غير بعيد على التصور الابيقوري، الذي يحدّد السعادة باعتبارها اللذة وغياب الالم تماما مثل التعاسة باعتبارها "الالم والحرمان من اللذة". إذ يعتبر أبيقور أن اللذة هي بداية الحياة السعيدة وغايتها فهي الخير الأول ومعيار الخير, فاللذة عنده هي إذن شرط الخير والخير شرط السعادة لكن بالتوازي اللذة هي الخير وهي السعادة بما أنها طبيعية في الإنسان. لكن عندما يعتبر أبيقور أن اللذة هي الخير لا يجعل من اللذة غاية كل فعل أخلاقي أي أنه رغم كونه يعتبر اللذة هي الخير الأول لا يقدم نظرية هيدونية لأنه يقدم اقتصادا كاملا في اللذة. فنحن لا نبحث عن اللذة إلا لندفع الألم لذلك فالسعادة عند أبيقور لا ترتبط باللذة الحسية فحسب وإنما تقتضي الحكمة التي توجهنا في إشباع اللذات.الحكمة واللذة هي طريق للسعادة التي تمثل عند أبيقور حالة تتميز بغياب الألم وبالتالي بغياب اللذة يسميها الأتراكسيا..

3)
السعادة و الرفاه
:
إن ما يجعل السعادة مثال أعلى، بالنسبة للنفعية، هو كونها مقصودة وفق إستراتيجيا جماعية و كونها ترتكز على الاعتقاد في التقدم التقني و الاقتصادي. ذلك أن تفاؤل فلاسفة الأنوار، جعلهم يربطون السعادة بتطور المعرفة و الذكاء الإنساني، تفاؤل يجد في إقرار روسو بخيرية الإنسان سندا له، مما جعل روسو يؤكد في كتابه «إيميل» على دور التربية في تحقيق سعادة الطفل، إذ ينادي روسو بضرورة ترك الطفل يتطور وفق طبيعته الخيرة. وهو ما يؤكد أن السعادة هي أساسا مثال أعلى، فكرة، شيء علينا تحقيقه لا فقط بالنسبة للأفراد بل لكل الناس، و من هنا بالذات يحصل الإنزلاق الذي يجعلنا نتحول من الإنسانية إلى النفعية كما تجلت عند بنتام وميل، ثم إلى المادية الصرفة و الفردانية التي غدت فيها السعادة اليوم مرادفة للرفاه.

فأن نعتبر الخير كمجموع الخيرات التي يمكن الحصول عليها، و أن يبحث كل فرد عن أكثر لذة و أقل عناء، هو أن نعتبر سعادة الفرد جزءا من الرفاهة العامة. ذلك أن النفعية تتحدث عن السعادة في المستوى الاجتماعي، و بالتالي السعادة لكل الناس رغم كونها تختزل الخير في النافع. فالنافع هو ما يمكن من تحقيق الخير، وهو مفهوم سبق أن تحدث عنه أبيكتات و حتى سبينوزا، فالحكيم الرواقي يبحث عن النافع. غير أن النافع عند إبيكتات كما عند سبينوزا لا يرتبط بما هو مادي، في حين ننظر اليوم إلى النافع باعتباره نافعا ماديا. ذلك أنه بالنسبة للنفعية، لكي تكون السعادة شيئا يمكن توزيعه بطريقة عادلة بين الناس، يجب أن تكون مادية، فلكي تكون قابلة للقسمة يجب أن تكون قابلة للقياس، و بالتالي تتماهى السعادة مع الرفاه في المجتمعات الاستهلاكية.
4)
في تجاوز النفعية و سعادة الرفاه
: 
إن الفردانية ليست فقط واقع ولكنها أيضا مثال أعلى، وإتباع حاجات الفرد كعنصر في المجتمع ليست فقط أمرا مقترحا بل يقدم كخير مطلق. فالمجتمع الاستهلاكي ليس فقط مادي، وذو نزعة مادية لأنه يكرس خطابا يسعى من خلاله لإقناع كلّ الأفراد، بل انه مثالي بطريقته، بما انه يقدم الرفاه كمثال أعلى، رفاه فردي ولكن رفاه فردي لكلّ الناس. وخطاب السوق هذا، ككل خطاب أيديولوجي، يزعم انه يقدم أجوبة لكل التساؤلات. وحول السؤال الذي قد يطرحه كلّ واحد منا: ما السعادة؟ يجيب يجتمع مجتمع السوق بدلا عنا. وإجابة المجتمع الاستهلاكي تقدم لنا مثالي السعادة كرفاه، وبهذه الكيفية يكون لكلّ الناس نفس مثالي السعادة. في حين أن كانط عندما أقرّ بان السعادة هي مثال أعلى للتخيل، كان يؤكّد على كون السعادة شأن شخصي. ولا يجب بالتالي أن نخلط بين تحقيق الرفاه وتحقيق السعادة. ثم إن المجتمع الاستهلاكي عندما يقدم مثال أعلى للسعادة الفردية كرفاه، ينولّد عن ذلك اغتراب الأفراد بالنسبة للاجتماعي، إذ يصبح لهم نفس المثالي الشخصي. والمجتمع الاستهلاكي الذي يدفعنا للفردانية، يدفعنا جميعا كالقطيع، وهذا النوع من الفردانية ليس مرادفا بالضرورة للتسيير الذاتي وللحرية.
لذلك لابدّ من مراجعة طرح مسألة السعادة، بالعودة أولا إلى الفصل بين الايتيقيا والأخلاق، إذ لماذا تكون السعادة مسألة ايتيقية؟ لماذا علينا أن نختار بين أخلاق واجب وإيتيقا سعادة؟ لماذا لا يمكن التفكير فيهما معا؟ وبالتالي المصالحة بين الواجب والسعادة، بين الحرية وبالتالي الفردانية الحقة والخضوع للجبر الأخلاقي من جهة كونه طريق الكونية والانسانية.

إن السعادة تطرح باعتبارها مثال أعلى وبالتالي لا كشيء معيش، وذلك ليس غريب بما ان السعادة تتحدّد كحالة اشباع كامل ومتواصل في الزمن، و كحالة اكتمال لا يمكن أن تكون السعادة شيئا معاشا، ولكن مع ذلك لا يجب الزهد في طلبها مثلما بين ذلك فرويد. إن السعادة هي حالة الرضاء التام والامتلاء لذلك تختلف عن اللذة التي هي رغد مستحب من طبيعة حسية. وإذا كانت السعادة تعني راحة تامة وتتقدم باعتبارها الخلود ذاته فإن اللذة زمانية فهي حركة ودينامية قد تطيلها وتضخمها الذاكرة والخيال, لكن السعادة تختلف أيضا عن الفرح ففي حين أن اللذة مجزأة فإن الفرح هو حالة وجدانية إجمالية إذ تمثل كما بين ذلك سبينوزا التحول من حالة كمال منقوصة إلى حالة أرفع منها, حالة تزيد فيها قوة فعل الجسد,أما السعادة فإنها ليست تحولا فالفرح ديناميكي في حين أن السعادة ستاتيكية فالسعادة التامة تبدو إذن مسألة يصعب تحقيقها رغم كون الأنساق الهيدونية كانت تقدم طرائق يفترض أنها تحقق السعادة كذلك الشأن الأبيقورية مثلا. و إذا كانت السعادة هي حالة الإشباع التام لكل الرغبات فإن ذلك يعني أن سبيل تحقيقها هو القضاء على كل ألم وإذا كان أبيقور ينظّر في أخلاقه إلى طرق تمكن من تجاوز الألم حتى وإذا كان ذلك بطريقة واهمة عبر الخيال والتخيل والتذكر فإن فرويد ينفي ذلك إذ يبدو أن الألم يتمادى مع الوجود الإنساني، إذ يجد مصدره في قوة الطبيعة وشيخوخة الجسد بل حتى في سلاح الإنسان ضد هذين المصدرين أي الحضارة, فالألم إذن يوجد في التركيبة النفسية للإنسان لكن إذا كان الألم متماد مع الوجود الإنساني فإن ذلك لا يجب أن يؤدي بنا إلى الزهد في الحياة وفي طلب السعادة إذ يبدو حسب روسو أن سعادة الإنسان لا تتحقق في السكينة التامة واستكمال الملذات بل تتحقق بالمكابدة والمجاهدة لأن الحياة التامة التي تتحقق فيها كل آمالنا و أحلامنا تعني الموت لأننا عندها كون محرومين من لذة الرغبة.
و هكذا يمكن القول أنه، وفي مقابل السعادة، يتقدم الفرح كشيء معيش. وبالتالي كحالة ديناميكية غير ستاتيكية مثلما هو شأن السعادة. ولعلّ تفكير سبينوزا في الفرح وعلاقته بالمعرفة يمكننا من الجمع بين الواجب والسعادة فالمعرفة هي مجال الحرية الحقة بالنسبة إلى سبينوزا، والفعل الحسن عند سبينوزا هو البحث عما يسميه بالنافع الخاص، ولا يتعلق الأمر بالخيرات الخبرية التي تؤدي إلى الاغتراب مثل اللذة والشرف والثراء، بل على العكس من ذلك النافع الخاص يزيد من قوة فعل الفرد وقوة فعل المجموعة، والعقل هو الذي يحدّد هذا النافع الخاص، إذ المعرفة هي التي تمكن الفرد من أن يحقق ذاته بحسب رغبته، فالإنسان الحر حسب سبينوزا هو من يرغب في الخير. يقول سبينوزا "إن الإنسان الحر يرغب في العقل، في الحياة، في المحافظة على كيانه على أساس البحث عن النافع الخاص، هو ذاك الذي لا يفكر في الموت بل إن حكمته هي تأمل في الحياة"، وهذا الوجود الحر والسعيد والعقلاني هو جائزته، وليس هو نتيجة حساب، انه التعبير من الفرد ذاته عندما يحقق ذاته ذلك أن "الغبطة ليست جائزة الفضيلة ولكن الفضيلة ذاتها، ونحن لا نعيش الفرح لأننا نمنع رغباتنا الحسية، بل عكس ذلك لأننا نعيش الفرح نستطيع منع هذه الرغبات" والغبطة باعتبارها أرقى درجات الفرح تتقدم كحكمة ثابتة، والإنسان الحر يحقق الغبطة لأنه يحقق كمال ذاته


منقول عن
http://www.facebook.com/topic.php?uid=74522697342&topic=8767



الأربعاء، 7 أبريل 2010



الدولة : السيادة والمواطنة

التخطيط* مدخل إشكاليدواعي التفكير في الشأن السياسي
- الإنساني يتحقّق في إطار مدني سياسي:
- الوعي بالذات يقترن بالوعي بالدولة
- مفارقات وعي الإنسان بالدولة:
شرط حماية حقوق الإنسان / / مصدر تهديد هذه الحقوق
فيها تَتحقّق الهوية / / فيها تغترب الذات
المشكل
إذا افترضنا أن إنسانية الإنسان لا تتحقق إلا بسيادته على ذاته في فضاء مدني٬ فضمن أي تصور للسلطة السياسية يكون هذا الفضاء ممكنا ؟ و هل بإمكان المواطنة بالمعنى الديمقراطي ضمان هذا المطلب ؟ ألا يدعونا واقع التعدد والاختلاف اليوم إلى فتح السياسي على أفق إيتيقي يؤسس لمواطنة كونية ؟ ”إنّنــا لا نناقـش أمرا هيّـنا ، إنّنا نناقش كيف يجب أن يعيش الإنسان“
أفلاطون : كتاب الجمهوريّـة
1ـ في السيادة و غياب المواطنة: الاستبدادأ ـ تعريف السلطة الاستبدادية” الاستبداد هو الحكم الذي يقوم على التفرد بالسلطة المطلقة و لا يقبل المشاركة في القرار أو مناقشته و لا يرتكز على قانون“ الكتاب المدرسي
”الاستبداد هو ممارسة للسلطة لا تستند لأي حق٬ و هو يقوم على استخدام امرئ للسلطة من أجل مصلحته الخاصة لا من أجل خير المحكومين“ جون لوك رسالة في الحكم المدني
ب ـ الاستبداد بما هو أسلوب في الحكم:
ـ التفرّد بالسلطة المطلقة (غياب المشاركة في القرار)
ـ غياب المحاسبة و المراقبة
ـ عدم الاستناد إلى حق قانوني
(سلطة المزاج والأهواء والاعتباطية والمصلحة الخاصة)
” الاستبداد هو التصرف في الشؤون المشتركة بمقتضى الهوى“
عبد الرحمان الكواكبي
ـ العنف ” الدكتاتورية هي حتما نظام عنف(...) لا تعترف إلا بقوة واحدة تستبعد كل قوة أخرى“ ج. فروند
ج ـ منزلة الإنسان في السلطة الاستبدادية:ـ اعتبار الإنسان ”عبدا“ أو ”أداة“
”العبد هو من يضطر إلى الخضوع للأوامر التي تحقق مصلحة سيّده“ سبينوزا
العبد بخلاف الحرّ هو من يوجد من أجل غيره ولا يكون غاية ذاته، أرسطو
ـ الإنسان رعيّ أو فرد من قطيع
غياب الاستقلالية و السيادة على الذات
اغتراب الإنساني
غياب المواطنة لانعدام شروط إمكانها في شكل السلطة الاستبدادية
2 ـ في التوافق بين السيادة و المواطنة: الدولة الديمقراطيةإذا كان شكل السلطة الاستبدادي لا يحقق سيادة الإنسان على ذاته و لا يعامله كمواطن ٬فضمن أي تصور للسلطة يمكن أن يتحقق التوافق بين السيادة و المواطنة؟ وهل بإمكان مؤسسة الدولة ضمان هذا المطلب؟أ ـ من جهة الأساس : التعاقد الاجتماعي
التعاقد:” أن يتنازل كل شريك للمجموعة بأسرها عن كل ما له من حقوق و يمنح لها نفسه بالكليّة“. روسو
تجاوز ـ الأساس الطبيعي
ـ الأساس اللاهوتي
ـ الأساس الأبوي
ـ الأساس الكاريزمي
الأساس التعاقدي للدولة: اصطناعي٬ إنساني ٬ مدني٬
ب ـ من جهة الغاية: الخير المشترك، الحرية، السلام
”الغاية التي أنشئت من أجلها الدولة هي الخير المشترك“ روسو
” اخترع الناس الدولة لكي لا يطيعوا الناس“ ج. بيردو
” إن غاية الدولة في الواقع هي الحرية“
” إن غاية الديمقراطية و مبدأها هو تخليص الناس من سيطرة الشهوة العمياء و الإبقاء عليهم بقدر الإمكان في حدود العقل بحيث يعيشون في وئام و سلام“ سبينوزا
د ـ منزلة الإنسان في الديمقراطية: المواطـَنة
” العبد هو من يضطرّ إلى الخضوع للأوامر التي تحقق مصلحة سيده، والابـن هو من ينفّذ، بناء على أوامر والديه، أفعالا تحقق مصلحته الخاصة و أما المواطن فهو من ينفّذ بناء على أوامر الحاكم أفعالا تحقق المصلحة العامة، و بالتالي مصلحته الشخصيّة“ سبينوزا
المواطن: ”شريك“، ” عضو“، ” جزء لا يتجزأ من الإرادة العامة“
له حقوق و عليه واجبات :
حق الانتخاب، حق المراقبة و المحاسبة و مقاومة العنف اللاّشرعي...
واجب الامتثال للقانون...
المواطَنة هي وضعٌ قانونيٌّ للإنسان ضمن فضاء عمومي، ناتج عن إرادة واختيار.
3 ـ حدود التوافق بين السيادة و المواطَنة
أ ـ حدود بنيوية
ـ سلطة الأغلبية تهديد الحرية الشخصية
” مَنْع الإنسان من التعبير عن رأيه شرّ لأن فيه سلبا للإنسانية كلها“.
س. ميل
ـ التفاوت الطبقي تهديد العدل و المساواة
الاقتصار على حقوق الإنسان البرجوازيّ الأنانيّ. ماركس
ـ مشكل الأقليّات تهديد حقوق الأقليّات
ـ ظاهرة الاغتراب السياسي:
" ينزع صاحب السيادة دوما إلى ابتزاز السيادة ذلك هو الداء السياسي الجوهري " ب. ريكور
ب ـ حدود تاريخية
ـ سيادة الدولة يهددها العدوان أو الاستعمار
ـ تشابك المصالح بين الدول
ـ تحكّم بعض الدول في المؤسسات الاقتصادية والسياسية العالمية (العولمة)
ـ العلاقات الدولية محكومة بمنطق العنف الشبيه بالعنف في حالة الطبيعة (حالة حرب كونية)
اهتزاز أركان سيادة الدولة
ج ـ مأزق الفكر السياسي:
قصور التصور التعاقدي الكلاسيكي عن حل المشكل السياسي ببعديه :
ـ منزلة المواطن السياسية داخل الدولة
ـ منزلة المواطن و الدولة داخل العالم
استئناف التفكير الفلسفي في منزلة الإنسان السياسية وفي مسألة السيادة
والمواطنة لا بما هي شأن مدني فحسب بل بوصفها شأنا عالميا أيضا.
4 ـ نحو نموذج جديد للمواطنة : المواطنة الكونيةأ ـ في الحاجة إلى نموذج جديد للمواطنة
” يلزمنا نموذج جديد للمواطنة العالمية يمكنه أن يحطم الرابطة بين الانتماء و الإقليمية. على الأفراد أن يكونوا قادرين على ممارسة حقوقهم من جهة كونهم كائنات إنسانية لا من جهة كونهم كائنات قومية. و قد يكون هذا النموذج متعدد الثقافات بالمعنى الذي يعترف فيه بالتنوع العرقي و الهويات المتعددة“ ستيفن كاستلس ( كتاب الفلسفة شعب علمية، ص 317)
مدلول الحاجة: ضرورة واقعية
اقتضاء أخلاقي
ب ـ شروط إمكان تحقق هذا النموذج
ـ تجاوز نموذج ” الإنسان الفرد“ بمظهريه:
ـ الاستبدادي: ← تسلّط الفرد
ـ الديمقراطي الّليبرالي:
← تنامي النزعة الفردانية
← عدم اكتراث الأغلبية بالشأن السياسي (توكفيل)
← تحوّل الممارسة السياسية إلى تقنية أداتية
تستبعد القيم والغايات ولا تعترف إلاّ بالنجاعة.
ـ الاعتراف بتنـوّع الإنسانية:
المواطنة الكونية: تعني المساواة في الحقوق الاجتماعية و السياسية بين كافة البشر دون أن يُحمل ذلك على معنى فرض التماثل بينهم
الدستور الكوني: ” إقامة علاقات سلمية بين البشر تأخذ طابع القوانين العامة للجنس البشري“ (كانط)
دون أن يعني ذلك فرض نموذج واحد في الحكم و لا إلغاء الدولة الوطنية
← كونية لا تنفي الخصوصية و التنوع بل تفترضهما ج ـ الأساس الإيتيقي للمواطنة الكونية
الإنسان غاية لا وسيلة:
” اعمل دائما بحيث تعامل الإنسانية في شخصك و في أشخاص الآخرين كغاية لا كمجرد وسيلة“ كانط
تجاوز الأخلاق الشّرطية
إيتيقا التواصل: الحوار الكوني:
مواجهة” العقل الأداتي“ بـ ” العقل التواصلي“: ”هو العقل الذي يحول طاقاته النقدية إلى قوى دفع للتواصل المحقّق للاتفاق دونما إكراه أي قوة الاتفاق البينذاتي بما هو البديل الوحيد عن استعمال العنف في حال الصراع“ هابرماس
استنتاجاتـ السلطة تمارس دوما ضمن تصور ما للإنسان. ففي سلطة استبدادية يكون الانسان عبدا رعيا فاقدا لسيادته على ذاته. و اما في نظام ديمقراطي فهو يعامل باعتباره ذاتا عاقلة حرة.
ـ الديمقراطية إذ تجعل من الإنسان مواطنا تحقق معنى إنسانيته وتمنحها شكلا مدنيا يتلازم فيه الحق و الواجب.
ـ هذا الشكل المدني أساسه التعاقد الاجتماعي مصدر السيادة فيه الإرادة العامة مبدؤه التعددية وغايته الحرية و الخير المشترك. و على هذا النحو يتحقق التوافق بين السيادة و المواطنة
ـ التصور التعاقدي على قيمته في حل معضلة العلاقة بين السيادة والمواطنة يمكن تنسيبه من جهتين بنيوية و تاريخية
ـ لا يمكن تجاوز حدود هذا التصور التعاقدي إلا ضمن أفق نؤسس فيه نموذجا كونيا للمواطنة
ـ التفكير في الشأن السياسي لا يستوفي معناه الإنساني إلا بتحريره من العقلانية الأداتية و تأسيسه على عقلانية حوارية

الجمعة، 5 مارس 2010

La philosophie à l’épreuve de l’irrationnel


Eloge de la folie
La philosophie à l’épreuve de l’irrationnel
Par le Pr FathiNGUEZZOU


«MAIS QUOI
  ? CE SONT DES FOUS, ET JE NE SERAIS PAS MOINS EXTRAVAGANT, SI JE ME RÉGLAIS SUR LEUR

EXEMPLE», DÉCLARE DESCARTES DANS UN PASSAGE


CÉLÈBRE DE SA DEUXIÈME


 
MÉDITATION MÉTAPHYSIQUE.
 
Un passage qui a suscité, au milieu du siècle précédent, une controverse non moins célèbre entre deux lecteurs de Descartes et de ce passage précisément : Foucault et Derrida. Peut-on tirer de cette exclamation une attitude ou une décision qui porterait la marque de toute une époque contre la folie et les fous, contre les insensés et les malades mentaux ? Ou bien les choses sont-elles plus compliquées, interdisant toute conclusion hâtive au sujet d’une sorte de complicité entre le philosophe et l’institution pénitentiaire de son temps…
Bien loin de la tradition humaniste, d’un Erasme auteur notamment d’Eloge de la folie (1511), et de sa tolérance remarquable à l’égard d’un certain genre d’irrationalité, la philosophie à l’âge classique était probablement plus sévère à l’égard des phénomènes de la déraison, des fous eux-mêmes, voués à toute sorte d’exclusion, voire d’extermination ou d’exil dans les contrées les plus lointaines.
Cette attitude présumée des philosophes dits rationalistes est-elle une attitude typique chez la plupart des philosophes ?
La philosophie a-t-elle horreur de l’irrationnel, de la démesure, de l’insensé,  au prix de l’éradiquer et de l’exclure du champ de la pensée ?

A la limite de la raison

Il est vrai, d’abord, que l’ «irrationnel» n’a pas en soi sa propre détermination, son concept. C’est le contraire du «rationnel», son négatif ou son antithèse. De plus, c’est un terme qui a, surtout dans l’usage courant du langage, une connotation péjorative : ce qui est étranger à la raison, ce qui est en-deçà ou au-delà d’elle, ce qui n’est pas à la mesure du rationnel. Car, dans l’irrationnel, il y a un manque. A l’origine de l’irrationnel, il y a donc une absence de «mesure», d’équilibre, une sorte de passage à la limite, à l’extrême.
En effet, la pensée philosophique était depuis ses origines fondée sur l’idéal de rationalité universelle, du sens et de la vérité, de la justification et de la vérification des jugements et des raisonnements acceptables et accessibles pour des êtres eux-mêmes raisonnables. C’est une pensée de l’analyse et de la synthèse, de l’intuition et de l’évidence, un discours dialectique sur ce qui est, un dialogue de l’âme avec elle-même et avec les autres. Bref, la philosophie est «une discipline de la raison pure» (Kant), quelle que soit la définition de la raison – entre l’origine grecque (logos) et latine (ratio), se joue cette discipline comme calcul et cause ou comme ordre et rassemblement… ayant pour fonction de contourner les turbulences et les vicissitudes de l’irrationnel.
C’est ainsi que la philosophie éprouve toujours le besoin de faire l’économie de l’irrationnel : le bon sens ou la lumière naturelle, l’Esprit absolu, la conscience, le principe de raison suffisante, etc. mobilisent un régime de fonctionnent contre ce résidu de non-sens et de matérialité sauvage et aveugle dans l’être et le savoir. Mais le partage est-il définitif entre ces deux sphères ?
Il est évident que la philosophie ne saurait relever entièrement d’une sphère idéale autonome et translucide. Elle présuppose toujours une positivité préexistante, une réalité déjà donnée, une histoire et une culture : «Toutes les expressions que l’être reçut et reçoit dans l’histoire, seraient vraies, car la vérité serait inséparable de son expression historique et, sans son expression, la pensée ne pense rien», écrit Levinas à juste titre (Humanisme de l’autre homme, p. 30). La philosophie, contemporaine surtout, s’oppose ainsi à un platonisme conventionnel – «l’intelligible n’est pas concevable en dehors du devenir qui le suggère» (pp. 30-31).
Or le platonisme n’est pas exclusivement l’instaurateur d’un essentialisme à outrance, d’une interprétation idéaliste de l’être en termes de Forme qui précède et conditionne tout contenu historique et culturel donné. Car l’explication de la genèse de la pensée est tantôt pour Platon une affaire d’initiation dialectique qui débouche sur une intuition d’un ordre intelligible transcendant, tantôt le réquisit d’une expérience historique ou para-historique, celle qu’institue le mythe qui rend compte de la genèse, de la matérialité sensible, du temps, de l’âme, etc. Bref, de tout ce qui résiste à l’explication dialectique et rationnelle. Dès lors, la formation de la rationalité théorique n’est pas un processus qui se déroule à l’intérieur de l’esprit ou de la conscience. Elle est le fruit d’une naissance difficile où le rationnel se détache progressivement de l’irrationnel immanent soit à l’âme et à profondeurs obscurs, soit à l’être et à ses énigmes et mystères. Depuis Héraclite, «la nature aime se cacher». Dans la sagesse archaïque, aussi bien chez les Grecs que chez les traditions orientales, la connaissance est un travail lent et progressif de dévoilement, de manifestation des signes du vrai. Au commencement était la nuit, le chaos, le désordre universel, l’anarchie, l’abîme, l’atomisation généralisée. Le passage à l’être, la constitution de la nature, dans la physique et la métaphysique anciennes, sont l’effet d’une transition de l’irrationalité primitive des éléments à la rationalité de l’ordre, du cosmos.
L’idée d’une raison pure est ainsi contaminée par cet attachement primordial – naturel, historique ou mythique – à la déraison. Cette corrélation est inévitable, elle constitue les limites même de la pensée et de la connaissance, la dialectique du sens et du non-sens. Depuis lors, on décrit l’évolution de la culture humaine comme un processus de désengagement progressif et ordonné des formes multiples de l’irrationnel vers une rationalité positive et universelle. Aussi bien la science que la philosophie, conçues comme le foyer spirituel de la culture humaine et son expression suprême, sont désormais tributaires de ce processus génétique et historique : la pensée n’est plus le pendant d’un présent éternel, mais l’élément propre de l’historicité humaine. Elles naissent d’un conflit avec les formes rudimentaires, précoces et imparfaites de l’irrationalisme primitif de la pensée pré-philosophique : la mythologie, les religions archaïques, la sagesse naturelle… L’irrationnel est premier parce qu’il représente l’enfance de la pensée, l’immaturité, la spontanéité pré-critique de l’esprit ; c’est une étape à dépasser, à contourner par un développement en amont d’un horizon de rationalité. Le propre de la pensée moderne est de définir la raison comme structure téléologique, comme horizon infini, comme idée régulatrice.

Le philosophe face aux visionnaires

Mais qu’en est-il de la part passionnelle dans le travail de la raison ? Cette structure téléologique n’est-elle pas motivée, au fond, par des mobiles d’ordre sentimental ? Car des philosophes modernes également – comme Hobbes, Spinoza, Pascal, Rousseau et Hegel – n’ont pas hésité à accorder aux passions une place de choix dans la constitution de l’humain en général : comme être politique, comme langage ou comme histoire. Il suffit de dire avec Rousseau qu’ «on ne commence pas par raisonner, mais par sentir», ou, avec Hegel, que «rien de grand ne s’est accompli dans le mode sans passion», pour témoigner de cette pathétique à l’origine de notre vie. Ainsi le primat de la passion explique-t-elle, en quelque sorte, la naissance de l’être, son accès au langage et son inscription dans le temps. Or, le philosophe se trouve souvent devant la tâche urgente de limiter l’élan émotionnel de l’âme faute d’une dérive vers l’obscurantisme et le fanatisme irrationnels. Des philosophes comme Leibniz et Kant ont tenté de mener un combat contre un certain irrationalisme excessif, un «enthousiasme» érigé en attitude de pensée. En effet, c’est un mélange de rêveries, de délires et d’hallucinations que réclament ceux qu’on appelle les «visionnaires :
« ceux qui prétendent saisir immédiatement la vérité en elle-même et entretenir des rapports avec un monde caché et invisible. Dans ce genre d’attitude, se mêlent ésotérisme et spiritualisme, intuitionnisme et illuminations mystiques ineffables. L’enjeu est de dominer l’absolu par la vision et l’intuition directe, et non de raisonner et de penser par preuves logiques.
Leibniz définit ainsi l’enthousiasme : «C’est le nom qu’on donne au défaut de ceux qui s’imaginent une révélation immédiate lorsqu’elle n’est point fondée en raison» (Nouveaux essais sur l’entendement humain, p. 398). Or, si la raison elle-même est une «révélation naturelle dont Dieu est l’auteur», alors la révélation est une «raison surnaturelle» qui comporte un fonds de découvertes émanées immédiatement de Dieu. La raison est donc le moyen capable de «discerner» la révélation et non de prendre sa place. Trois éléments expliquent, selon Leibniz, notre adhésion spontanée à l’enthousiasme : 1- d’abord, «une révélation immédiate est plus commode et plus courte qu’un raisonnement long et pénible  «; 2- ensuite, ceux qui prétendent avoir cette sorte de révélation nous laissent entendre «qu’ils avaient une toute autre familiarité avec Dieu […] Leur fantaisie devient une illumination et une autorité divine   «; 3- enfin, c’est «l’amour qu’on a pour ce qui est extraordinaire» qui explique notre goût pour l’enthousiasme des visionnaires.
Mais ils ne sont que des «fanatiques» disait Leibniz. Ils préfèrent la vue et le sentiment comme moyens de connaissance et définissent leurs attitudes en termes de force et d’intensité. Dès lors qu’il ne s’agit plus de la perception de la proposition mais de celle de la révélation, ils ne peuvent utiliser qu’un langage figuré qui indique une assurance plutôt qu’une démonstration. D’où la circularité d’une telle attitude : «C’est une révélation parce que je le crois fortement, et je le crois parce que c’est une révélation».
En contestant le principe même de cette immédiateté de la connaissance, Kant adresse une critique vigoureuse et radicale contre toute possibilité non seulement d’introduire la révélation dans l’activité rationnelle, mais aussi de réduire le rapport fondamental de la pensée à l’expérience. Il écrit : «Les objets de sens n’épuisant pas tout le champ du possible, on peut concevoir maint objet supra-sensible, sans que la raison éprouve le moindre besoin de s’y élever et encore moins d’en admettre l’existence. La raison a suffisamment à faire avec les causes intra-mondaines qui se manifestent au sens […], pour que de plus elle ait encore besoin de l’influence secourable de purs esprits de la nature : une semblable hypothèse serait plutôt nuisible à son usage […] Ce n’est donc nullement un besoin que de se livrer à de telles recherches, ou de jouer avec des fictions de cette sorte : ce n’est qu’une pure et simple curiosité, qui n’aboutit qu’à des rêveries» (Qu’est-ce que s’orienter dans la pensée ?, pp. 79-80).
D’un côté, le monde sensible n’exclut pas l’existence possible d’un monde supra-sensible ; de l’autre, il est de la nature de la raison humaine d’agir selon sa propre constitution  : elle s’attache à des connexions causales dans le monde sensible sans éprouver aucun besoin d’un secours quelconque du monde spirituel présumé qui, contrairement au monde naturel, demeure à jamais pour nous une terra incognita. Toute aventure dans cette terre ne produira que rêveries et fictions.
Cette distinction est indispensable pour mener le combat contre les tenants d’une conception irrationnelle de la raison qui, avec ses concepts vagues et injustifiés, fournit le «principe à l’enthousiasme et [favorise] l’abdication complète de la raison». C’est la raison qui doit définir l’orientation de la pensée, et non «un mystérieux ‘’sens de la vérité’’» ou une «intuition transcendante» qui serait une «croyance» sans aucun recours du «consentement de la raison». Exigeant donc une claire distinction en ce qui est connaissable et ce qui ne l’est pas, Kant formule une règle générale de la pensée : «… en elle-même l’ignorance est donc sans doute la raison des limites de notre connaissance, mais non celle de ses égarements».
Comme pour préciser ce genre de dérive inhérent à la raison humaine, Kant propose la définition suivante : «Nous autres, en hommes du commun, nous appelons ‘’enthousiasme’’ la maxime dès lors admise de l’invalidité d’une raison souverainement législatrice ; mais ces favoris de la bonne nature [la nomment] ‘’illumination’’». Dans un autre opuscule, Rêves d’un visionnaire,cette définition est largement appliquée. Le philosophe ne dira pas autre chose.

L’irrationnel et l’affabulation des origines

Nietzsche disait que «la recherche des origines mène partout à la barbarie». Un fait incontestable dès lors que cette passion de l’originaire, de l’authentique, met en question l’essence historique de l’humanité, son caractère temporel et temporaire, sa facticité et sa précarité irréductibles. Au lieu de cette pensée à la recherche d’une origine perdue, l’on devrait substituer une pensée moins passionnée par ses illusions métaphysiques, moins orgueilleuse.
C’est que la recherche des origines, l’intuition présumée immédiate du vrai, la raison et la vérité ne sont que des chimères, des inventions d’une culture décadente. La vérité n’est pas l’objet d’une sorte de «croyance rationnelle» (Kant), mais d’une croyance plus primitive encore, d’un «instinct» exprimant une tendance à la conservation de l’espèce humaine. Tout ce qui qualifie l’homme par le privilège de la rationalité est rabaissé et réduit à la simple existence naturelle d’une créature qui baigne dans l’illusion et le mensonge : «cet art de la dissimulation atteint son point culminant  : l’illusion, la flagornerie, le mensonge et la tromperie, la calomnie, l’ostentation, le fait de parer sa vie d’un éclat d’emprunt et de porter le masque…» (Vérité et mensonge au sens extra-moral).
Ce que Nietzsche raconte n’est que la fable des origines, l’histoire des illusions, l’odyssée des mensonges et des railleries. C’est ainsi qu’il procède, pour substituer à cette pseudo-histoire une autre plus vraie et plus authentique, à un véritable éloge de la folie. On devrait rejoindre les temps les plus lointains pendant lesquels l’humanité a su apprécier les vertus de cette déraison, source de toute création. «Tandis que de nos jours on nous donne sans cesse à entendre que le génie possède au lieu d’un grain de bon sens un grain de folie, les hommes d’autrefois étaient bien plus près de l’idée que là où il y a de la folie il y a aussi un grain de génie et de sagesse, - quelque chose de ‘‘divin’’, comme on se murmurait à l’oreille» (Aurore I, 14).
Une raison plus authentique, plus véridique que toutes les raisons, telle est la folie, véritable mystère de l’humain, de sa noblesse et de sa créativité infinie. C’est la source de toute inspiration, de toute sagesse ; c’est elle «qui aplanit le chemin de l’idée nouvelle», qui fraye toute les voies, qui sauve et qui purifie.

FN
ENS Tunis