الخميس، 13 مايو 2010

العمل التحضيري للنص الفلسفي

يتعلق تقويم عمل التلميذ في اختبار تحليل النص الفلسفي بالنظر في مدى نجاحه في:


- التفطن للمشكل الذي يثيره النص وصياغة الاحراجات المرتبطة ببناء عناصر المشكل كما حدده الكاتب.
- التفطن للحل الذي يقترحه كاتب النص للمشكل أي التفطن لأطروحة النص وتحليلها وشرحها وتفسيرها.
- إبراز نظام الحجاج الذي اعتمده الكاتب بهدف إثبات وجاهة موقفه.
- فحص قيمة أطروحة الكاتب ووجاهة موقفه بتحديد مكاسبها وحدودها.

للإيفاء بهذه المقتضيات المنهجية والمعرفية يجب على التلميذ تفكيك النص و هو العمل الذي ينجز في إطار "العمل التحضيري" على المسودة ويمكن انجازه بإتباع الخطوات التالية المتمثلة في تخصيص مجموعة من القراءات المركزة للنص يعمد التلميذ خلال كل قراءة منها على انجاز مهمة تفصيلية محددة:

- القراءة الأولى:


تحديد المشكل العام الذي يتنزل في إطاره النص ويتعلق الأمر في هذه الخطوة الأولى بتنزيل النص ضمن أحد محاور البرنامج مع الانتباه إلى إمكان تعلق هذا المشكل بأكثر من مسألة واحدة في إطار باب واحد من أبواب البرنامج.

تكمن أهمية هذه الخطوة في كونها ستكون المعيار الأساسي في عملية الاختيار للنص كموضوع للامتحان ذلك أن التفطن لتعلق النص بأحد مسائل البرنامج ومدى التمكن من هذه المسألة واستحضار مشكلها ومفاهيمها الأساسية يكون هو معيار اختيار النص من عدمه للاشتغال عليه.

يمكن انجاز هذه الخطوة من خلال الإجابة على السؤال التالي: ما هو موضوع النص؟ ما هو المشكل الذي يطرحه؟ أية قضية يثيرها؟

ما يجب تجنبه:

التسرع في قراءة وفهم قضية النص فننزل النص في مجال غير مجاله ونخرج بذلك تماما عن النص أو أن لا ننتبه إلى إمكان تعلق النص بأكثر من مجال واحد فيكون تحليلنا للنص تحليلا مبتورا.
القراءة الثانية:
جرد المفاهيم ورسم شبكتها:
الخطوة السابقة هي فقط خطوة تمهيدية بمعنى أنها تؤطر لنا النص تأطيرا عاما ولا تجعلنا ندخل النص بشكل جدي. فالنص هو لكاتب محدد وهو بالتالي وان يتناول أحد مسائل البرنامج فانه يتناولها من وجهة نظر الكاتب بما يعني أن
الكاتب يتناول هذا المشكل العام انطلاقا من زاوية نظر خاصة به هي. تتجلى هذه الخصوصية بداية في الدلالة التي يضفيها على المفاهيم والمعاني التي يعتمدها في بسط وتحليل أطروحته. وبالتالي فتحليل النص هو هذا الاشتغال على دلالة المفاهيم والمعاني الواردة في النص. إن الفيلسوف هو بوجه ما مبدع المفاهيم وهذا الإبداع لا يختزل في نحت واستحداث مفاهيم جديدة على نحو مطلق وإنما بإعادة شحن وتحديد دلالة معاني ومفاهيم سائدة بشحنة دلالية جديدة يتجلى من خلالها خصوصية تفكيره في المشكل العام الذي يتنزل فيه النص.
يجب الانتباه إذن إلى خصوصية المعاني و المفاهيم التي يعتمدها الكاتب وهو ما يمكن تحديده من خلال رسم شبكة المفاهيم أي بتبين العلاقات المنطقية التي من خلالها يتحدد بها كل مفهوم في سياق النص.
تنقسم هذه المهمة إلى جزئيين:
* جرد المفاهيم: 
يستحسن أن نقوم في مرحلة أولى بتسطير كل المفاهيم والمعاني الواردة في النص ومن ثمة نقلها على المسودة. تتعلق الصعوبة في هذا المستوى بتحديد وتمييز الكلمات الأساسية( معاني ومفاهيم) عن الكلمات العادية. ويمكن تمييز هذه الكلمات الأساسية من خلال الوقوف عند الكلمات التي تثير إشكال في تحديد دلالتها باعتبارها تحيل على مستويات مختلفة من التفكير وإمكان ربطها بمرجعيات فلسفية وفكرية متعددة بالإضافة إلى الانتباه إلى مدى كثافة حضورها
وتكرارها داخل النص.
يستلزم تحليل دلالة هذه الكلمات الأساسية عملا مركزا وجديا يتطلب انجاز مجموعة من الخطوات :
+ في حالات عديدة يكون البحث في الدلالة اللغوية المباشرة للمفهوم هو السبيل لإمكان تحصيل دلالته لذلك يجب الابتداء بهذه المهمة
+ في مرحلة ثانية يكون من الأجدى العمل على محاولة تبين الدلالة المستبعدة لهذا المفهوم وذلك بإبراز ما لا يعنيه، ما لا يقصده الكاتب من استعماله. هذا الاستبعاد يمكن أن يتوزع على مستويين : مستوى استبعاد الدلالة الشائعة التي تحيل على التفكير العامي في ما يمكن أن يحيل عليه هذا المفهوم، كما استبعاد موقف فلسفي مغاير يعطي لذات المفهوم دلالة مغايرة ليست هي التي يقصدها الكاتب.
ملاحظة: هذا الاستبعاد يمكن أن يكون مباشرا وصريحا داخل النص ينبه له الكاتب بشكل مباشر، ويمكن استخلاصه من خلال الانتباه للروابط المنطقية حين يسبق هذه المفاهيم أدوات نفي أو استدراك أو كل صيغة، بشكل عام يمكن
أن نفهم منها الاستبعاد. وقد لا يكون مباشرا فيجب أن نحاول استجلائه ضمنيا سواء بالتفكير في دلاله هذه المفاهيم عند
فلاسفة آخرين أو في إطار استعمالات هذه الكلمات المفاتيح داخل التفكير العامي.
+ أخيرا محاولة تحديد الدلالة المقصودة من المفهوم حسب سياق النص من خلال العمل على استجلائه بتوسط النظر في علاقة المفهوم بالمفاهيم المجاورة له أو المتقابلة معه. تستوجب هذه المهمة الانتباه جيدا للروابط المنطقية
داخل النص.هذه الروابط سواء كانت صيغ نفي أو إثبات أو صيغ تعليل وتفسير أو دحض واستدراك هي التي تمكننا من تحديد ما يقصده الكاتب، وعدم الانتباه لهذه الأدوات يمكن أن يجرنا لسوء فهم أطروحة الكاتب.
ما يجب تجنبه:
+ إهمال أحد الكلمات الأساسية داخل النص نتيجة التسرع وعدم التركيز لذلك فانه يجب قراءة النص بتأن وتثبت.
+ عدم التمييز بين الكلمة الأساسية والكلمات العادية
+ عدم الانتباه للروابط المنطقية.
* رسم شبكة المفاهيم:
تمكننا الخطوة السابقة من رسم شبكة المفاهيم بمعنى إعادة تنظيم المفاهيم في مستويين نضع في كل مستوى المفاهيم المتجاورة مع بعضها في علاقة بالمفهوم المركزي الذي يدور حوله النص فيكون لنا مجموعتين من المفاهيم: مجموعة
أولى تحيلنا على موقف/أطروحة الكاتب ومجموعة ثانية تحيلنا على الموقف الذي يستبعده الكاتب، وهي الدلالات التي حددناها في إطار الدلالة المستبعدة سواء كانت صريحة أو ضمنية.
ملاحظة: المفهوم المركزي داخل النص يمكن تحديده اعتمادا على مجموعة من المؤشرات:
+ انطلاقا من التساؤل عن قضية النص.
+ المفهوم المركزي هو غالبا أحد معاني مسألة ما من مسائل البرنامج.
+النظر في مدى كثافة وحضور مفهوم ما داخل النص.
+ النظر في مضمون السؤال الأول من الجهاز البيداغوجي.
ما يجب تجنبه:
+ عدم الانتباه إلى أدوات الربط المنطقية فنقع في خلط وسوء فهم لمقصود الكاتب فكل معنى يتخذ دلالته في سياق النص وهذا السياق يتحدد انطلاقا من علاقة هذا المعنى ببقية المعاني سواء تجاورا أو تقابلا حسب أداة الربط
المنطقية التي يرتبطان من خلالها.
*القراءة الثالثة: صياغة أطروحة النص والأطروحة المستبعدة:
انطلاقا من العمل السابق يتيسر لنا تحديد أطروحة الكاتب بشكل دقيق بصياغة الأفكار والمعاني التي انتهينا إليها من عملية رسم شبكة المفاهيم. تكون صياغة الأطروحة على أساس تحديد دلالة محددة للمفهوم المركزي / المشكل داخل النص في علاقة بمضمون المفاهيم المجاورة له. بينما يكون تحديد الأطروحة المستبعدة، سواء كانت صريحة أو ضمنية بتحديد الفكرة الحاصلة لدينا من علاقة الاستبعاد التي يقرها الكاتب ما بين المفهوم المركزي والمجموعة الثانية من
المفاهيم( المفاهيم المستبعدة).
ملاحظة:
تكون صياغة الأطروحة المثبتة صياغة تقريرية تحوي وجوبا:
+ صيغة إثبات: يؤكد الكاتب، يثبت الكاتب...
+ المشكل العام الذي يتنزل في إطاره النص
+ موقف الكاتب من هذا المشكل: تحديد الدلالة المقصودة للمفهوم المركزي في سياق النص.
أما الأطروحة المستبعدة فتكون صياغتها على النحو التالي:
+ صيغة نفي: يستبعد الكاتب، يدحض الكاتب..
+ المشكل العام الذي يتنزل في إطاره النص.
+ موقف الكاتب من هذا المشكل: تحديد الدلالة المستبعدة للمفهوم
المركزي في سياق النص.

القراءة الرابعة: تحديد إشكالية النص
:


إن الانتهاء من جملة المهام السابقة يتيح لنا تحديد إشكالية النص بشكل دقيق باعتبار أن الإشكالية هي زاوية النظر المخصوصة التي يتناول من خلالها الكاتب المشكل العام الذي يتنزل في إطاره النص. هذه الإشكالية يمكن تبينها
من خلال مصادمة الأطروحة المثبتة بالأطروحة المستبعدة. تكون صياغة الإشكالية صياغة تساؤلية ضمن بنية منطقية متدرجة يتضح من خلالها مسار التحليل ورهاناته.
يمكن صياغة الإشكالية على النحو التالي:
+ سؤال أول يتضمن المشكل العام للنص.
+ سؤال ثان يحوي مضمون الأطروحة المستبعدة
+ سؤال ثالث يحوي مضمون الأطروحة المثبتة
+ سؤال رابع وأخير يحوي تساؤل نقدي عن حدود الأطروحة.
ما يجب تجنبه:
+ إعادة استنساخ أسئلة النص على اعتبار كونها الإشكالية.
+ كثرة الأسئلة وتعددها وعدم وجود رابط منطقي بينها.

غياب السؤال النقدي عن بناء الإشكالية.


* القراءة الخامسة: القراءة الخطية للنص
يتعلق هذا المستوى من العمل التحضيري بتحديد البنية المنطقية للنص أي تبين التدرج الذي سلكه الكاتب للبرهنة على أطروحته. تتحدد بنية النص انطلاقا من الانتباه إلى الروابط المنطقية التي تحكم حركة النص. وتحديد تمفصلات النص يستلزم تتبع حركة النص بشكل تفصيلي من خلال شرح كل فكرة/ جملة بشكل تفصيلي آخذين بعين الاعتبار الروابط المنطقية التي تبدأ بها كل جملة.
يمكن انجاز هذه المهمة اعتمادا على محاولة الإجابة في كل مرة( في خصوص كل جملة) على الأسئلة الأربعة التالية:

1/ تحديد منطوق
النص: ما الذي يريد الكاتب قوله داخل هذه الجملة؟ والإجابة عن هذا السؤال يستوجب تحديد دلالة المفاهيم والمعاني الواردة داخل الجملة. وهنا يجب الانتباه جيدا إلى النعوت التي يستعملها الكاتب( عدم الانتباه إلى نعت سلبي مثلا يتصل بمعنى ما يمكن أن يؤدي إلى فهم عكسي) كما لأدوات الربط أهمية خاصة( عدم الانتباه خاصة للاستدراك يؤدي لفهم عكسي كذلك). يتعلق الأمر في هذا المستوى تحديدا بتحديد منطوق الجملة بصياغتها اعتمادا على معطيين رئيسيين: دلالة أداة الربط ودلالة الكلمة الأساسية في هذه الجملة؛ ويتم انجاز هذه المهمة بالاستعانة بما سبق انجازه في القراءة الثانية من تحديد دلالة المفاهيم.
2/ تحديد مسلمات وضمنيات موقف الكاتب: ما هي مسلمات ما يقوله الكاتب؟ على ماذا يتأسس موقفه؟ ما الذي يعتبره الكاتب يقيني لا يحتاج لبرهنة أو تعريف ؟ ما هي ضمنيات موقفه؟
3/ حجاج النص: ما الذي يدعم قول الكاتب؟ ما هي الحجج التي تثبته؟ في حالة عدم إيراد الكاتب لحجج مباشرة لدعم موقفه يستحسن أن نبحث عن حجج من خارج النص حتى وان تعلق الأمر بعرض موقف مناقض لأطروحة الكاتب.
4/ إثراء التحليل: هل يذكرني ما قاله الكاتب بموقف فلسفي آخر يذهب في نفس اتجاه ما قاله الكاتب؟ هل هناك موقف فلسفي الكاتب بصدد محاورته؟ هل هناك موقف يماثل/ يقارب موقف الكاتب؟ هل هناك موقف يناقض يختلف عن موقف الكاتب؟
ملاحظة: انجاز هذه القراءة الخطية للنص ليست غير عمل تحضيري توفر لنا المادة الاولى التي يجب اعادة بناءها وتنظيمها في إطار تخطيط محكم يستثمر العمل السابق دون أن يتقيد به.

القراءة السادسة: انجاز مقدمة كاملة للمقال على المسودة.





وحيد الغماري

السبت، 8 مايو 2010


درس من إنجاز الأستاذ: نجيب الأزرقمدخل إشكالي
في دواعي طرح المشكل:
- مسألة الحقيقة مسألة منطقية علمية عقلية كلية
- مسألة الجمال مسألة ذوقية فنية إحساسية شخصية
- مسألة الحقيقة جدية صارمة جديرة بالاهتمام
- مسالة الجمال خفيفة لعبية ثانوية
تنافر بين القيمتين من جهة: المجال ومعايير الحكم
التساؤل عن وجاهة الجمع بين هذا الزوج المفهومي : الجمال و الحقيقة
بناء المشكل
على أي نحو يمكن التفكير في التجربة الفنية و أية وجاهة تبرر مقاربتها من جهة العلاقة بين الجمال والحقيقة ؟ وهل تستوفي المقاربة الإستيتيقية كل أبعاد هذه التجربة ؟ ألا يدعونا تنزيل البعد الجمالي ضمن كونية التجربة الإنسانية إلى التفكير في الجمال على نحو إيتيقي؟
المحتوىمدخل إشكالي
1) المقاربة الميتافيزيقية للجمال
2) المقاربة الاستيتيقية للجمال : الأسس و الحدود
3) نحو استتيقا فلسفية
4) ايتيقا الجمال
استنتاجات 
1) المقاربة الميتافيزيقية للجمال:
”إن هذه الأعمال [الفنية] تنتمي إلى المرتبة الثالثة بالنسبة إلى الحقيقة، إنهم [ الشعراء] لا يخلقون إلا أوهاما لا أشياء حقيقية“
أفلاطون، الكتاب المدرسي ص 336إشكالية الحقيقة : الإشكالية المركزية التي إليها تردّ كل مباحث الفلسفة الأفلاطونية ( الوجودية و المعرفية و الأخلاقية ...).
الحقيقة: - الحقيقة في الوجود هي الثابت // - الحقيقة في المعرفة هي الكلي
ثنائية وجودية: - عالم المحسوس //- عالم المعقول
ثنائية معرفية: - الوهم //- الحقيقة
النشاط الفني:
* طبيعته: يحاكي الطبيعة (مثال السرير)
* قيمته و منزلته :
- القيمة الوجودية: أدنى مراتب الوجود لأنه يحاكي الموجودات الحسية لا الوجود الحق: امتداد للتعالي على الطبيعة وجوديا.
- القيمة المعرفية: أدنى مراتب المعرفة لأنه ينتج صورا و خيالات لا المعرفة الحق: امتداد لمعارضة الحواس معرفيا.
- القيمة الأخلاقية: يثير الانفعالات وهي عائق أمام الخير أخلاقيا وأمام العدل سياسيا: امتداد لمقاومة الرغبة أخلاقيا وسياسيا.
استنتاج:
- هيمنة اللوغوس (العقل، النظام، الكلي ) على الإيروس (الخيال والرغبة و الحساسية و الانفعالات...)
- الحكم الأفلاطوني على الفن ليس حكما جماليا و إنما هو محاكمة مدفوعة باعتبارات معرفية و أخلاقية و سياسية.
هذه المحاكمة لم تسمح بظهور مجال جمالي يكون مستقلا من جهة موضوعه و من جهة معايير الحكم فيه.
فضمن أية شروط يمكن أن يتم التفكير في الموضوع الجمالي والقيمة الجمالية في استقلال عن هيمنة سؤال الحقيقة ؟
2) المقاربة الاستيتيقية للجمال: الأسس و الحدود
أ - تحرر العين : ميلاد الرؤية الجمالية
ب - تكوّن المبحث الجمالي : الإستتيقا
ج - حدود المقاربة الاستيتيقية
د - تحرر العين: ميلاد الرؤية الجمالية
الانطولوجيا الأفلاطونية (الحقيقة/الوهم)، الرؤية الأسطورية و السحرية و النظرة المسيحية (المقدس/المدنس) : عوائق ظهور الجمالي موضوعا و قيمة و رؤية
أ - شروط التحرر من هذه العوائق:
- تخلص الحساسية من هيمنة اللوغوس
- تخفيف الطبيعة من كثافة الحضور الديني و السحري و الماورائي
- إطلاق الحساسية (العين و الأذن) إنشاء و التقاء بجمالية المرئي
”حين انسحب المريع ظهر الرائع“ دوبري
الفن ترك المرئي يفصح عن نفسه في الحساسية... جعله يتحدث عن نفسه لا عن عوالم أخرى. لعل هذا ما تعبّر عنه ”النزعة الطبيعية“ في الفن الحديث: ” لقد أدى تبخر العوالم الخلفية و الأساطيرية و الدينية إلى توجيه الرؤية نحو الحياة الدنيا. هكذا تم النظر لأول مرة و فجأة إلى الأشجار و الوجوه بما هي و كما هي بلا مسبقات ، أي في روعتها الدنيوية ” 
ريجيس دوبري حياة الصورة و موتها- ص 158ب - تكوّن المبحث الجمالي : الإستتيقا” الاستتيقا هي علم الجمال و هي تبحث في شروط الجمال و معاييره و نظرياته، و في الذوق الفني و في أحكام القيمة المتعلقة بالآثار الفنية... هي إذن دراسة الانفعال الحاصل عن مشاهدة أثر فني و ما يترتب عنه من أحكام جمالية تعكس ذوقا معينا، لهذا يسمي البعض الاستتيقا بأنها مبحث ملكة الحكم الجمالي بحيث يتم تصنيفها من بين العلوم المعيارية“ الكتاب المدرسي ص 377* استتيقا الابداع الفني : العبقرية ” إن الفن الجميل لا يمكن أن يكون إلا نتاجا للعبقرية... العبقرية هي الموهبة التي تعطي القاعدة للفن ” كانط، الكتاب المدرسي ص 392
العبقرية :
- موهبة طبيعية تبدع ما لا قاعدة له وما لا يُتعلم
- الأصالة خاصيتها الأولى
- الإبداع روحها
- الإلهام مصدر ما تنتجه من آثار فنية
ج - التجربة الجمالية تجربة ذاتية إبداعية مستقلة* استتيقا الحكم الجمالي : الذوق ” الذوق هو ملكة الحكم الجمالي ” كانط
ضرورة تمييز الحكم الجمالي عن : - مقولات الذهن /- أوامر العقل العملي
” فالمرء يسمي ملائما ما يرضيه، و جميلا ما يسرّه، و خيرا ما يقدّره أي ما يعزو إليه قيمة موضوعية... و يمكن القول إنه من بين هذه الأنواع الثلاثة من الإرضاء فإن رضا الذوق بالجمال هو وحده الرضا النزيه و الحر، إذ لا تحمل على الرضا به أية مصلحة سواء مصلحة الحس أو مصلحة العقل ”
 كانط، الكتاب المدرسي ص 332
الحكم الجمالي ذاتي مستقل كلّي و ضروري ”لاعتبارات ذاتية خالصة (...) أي غير قابل للتحديد بمفاهيم“د - حدود المقاربة الاستيتيقيةسيطرة مفهوم الحقيقة بالمعنى الوضعي (الموضوعية، التكميم) على المقاربة الاستيتيقية قد يغرقها في نزعة تقنوية، من مظاهرها :
- مقاربة كمية يغدو فيها الجمال بعدا قابلا للقيس
- مقاربة اختزالية ترجع الجمال إلى معايير معطاة سلفا
- مقاربة نقدية تبحث خارج الأثر عما تفسره به
ضياع الجمال في ما ليس منه
3) نحو استتيقا فلسفية
لعل استنقاذ الجمال من مخاطر النزعة التقنوية العلموية التي نمطت الإبداع الجمالي إنما يكون باستئناف مقاربته لا على جهة ما هو موضوعي فيه، و إنما على جهة ما فيه من أبعاد الحضور و التدفق شعورا و معنى و حياة. ألا يكون ذلك من مهام فلسفة جديدة في الفن تأخذ الجمال وتنزله ضمن أبعاد التجربة الانسانية كلها ؟
أ - الجمال تمظهر للفكرة الكلية
ب - الجمال انكشاف لحقيقة الوجود
ج - الجمال تعبير عن حقيقة الذات
د - الجمال حدس لحقيقة الواقع
هـ - الجمال تجربة معنى
أ - الجمال تمظهر للفكرة الكلية” عندما نقول إن الجمال فكرة، نقصد بذلك أن الجمال و الحقيقة شيء واحد“ هيغل، الكتاب المدرسي ص 328
- الروح و هو يتعقل ذاته سعيا إلى إدراك حقيقته يتمظهر في العالم عبر أشكال وعي كالفن و الدين و الفلسفة، تتقدم تدريجيا من الحسي إلى العقلاني.
- الفن هو التمظهر الحسي لحركة تحقق الروح في التاريخ و تعقلها لذاتها
الحقيقة جوهر الفن موضوعا و غاية
ب - الجمال انكشاف لحقيقة الوجود” ما الذي يتم عمله في العمل الفني، إنه انفتاح الموجود على وجوده. هو حدوث الحقيقة ” هايدقير
” جوهر الفن وضع حقيقة الموجود نفسها في العمل الفني ” 
هايدقير، الكتاب المدرسي ص 345
- حقيقة الوجود شبيهة بالنور الذي تصعب رؤيته في ذاته. إنها لا تسمح بالاقتراب منها إلا في محايثتها للموجود إذ هي تضيء الموجود، و الوجود يلقي بنا بهذه الإنارة في المنفتح: التاريخاني.
- ظهور الوجود في الموجود لغة منتشرة على الفنان الإصغاء إلى هديرها: الأشياء تستجمع قوة أساسية بها يأتي الوجود صوبنا
و ينكشف. هذه الحقيقة تمتنع على الدراسة الموضوعية، حقيقة تريد أن تتكلم و أن تعلن عن نفسها بشكل شعري ينهض على نوع من الإنصات. الإنصات إلى نداء الوجود هو العمل الفني.
- هذا الانكشاف الذي يحصل للامرئي ليتجلى في المرئي هو الجمال أو الحقيقة في أبهى صورة شعرية.
- من بين ما يمكن أن يقرّبنا من ماهية الحقيقة بوصفها انكشافا هي التجربة الفنية.
- مصدر العمل الفني منهل لامرئي على الرغم من أنه قوة كاشفة،
و حقيقة هذا المنهل هي حقيقة الوجود ذاتها أي الحقيقة المحايثة للموجود الذي يمثّل المرئي و أشياءه.
الفن هو الحقيقة انكشافا و حضورا
ج - الجمال تعبير عن حقيقة الذات
” الفن و التاريخ، أقوى أداتين تعينان على البحث في الطبيعة الإنسانية... ولكي نجد الإنسان لا بد من أن نذهب إلى الشعراء العظام، إلى الكتاب التراجيديين أمثال شكسبير، و الكوميديين أمثال سرفنتاس، و إلى القصاصين المحدثين أمثال بلزاك و فلوبير و دستوفسكي. ليس الشعر محض محاكاة للطبيعة. الشعر و التاريخ هما قانون معرفتنا الذاتية“ 
كاسيرر، مقال في الإنسان ص 347
- الفن هو من ضمن الأشكال الرمزية كالدين و العلم و الفلسفة
و الأسطورة التي ينشئ عبرها الإنسان المعنى و الدلالة .
في الفن تتمثل الذات ذاتها
د - الجمال حدس لحقيقة الواقع
” ليس من هدف للفن إلا استبعاد كل ما يحجب عنا الحقيقة و الواقع لكي نكون وجها لوجه مع الواقع بالذات ” 
برقسون، الكتاب المدرسي ص 365
- نعيش محكومين بمواضعات اجتماعية/لغوية/قيمية/حسية/ذهنية ذات أغراض نفعية لا ترينا الواقع كما هو في ديمومته واتصاله بل في حدود ما تسمح به حاجات تلك المواضعة، ومن ثمت فكل فهم أو تعقل أو تعبير أو حكم لا يقول الحقيقة الأصلية للواقع.
- الفن يخترق كل تلك المواضعات لينفذ في شكل حدس إلى المحتوى العميق و الأصيل للعالم و للذات.
الفن رؤية تتصل خلالها روح الفنان بالحقيقة : الديمومة
هـ - الجمال تجربة معنى” إن المصور ينبغي أن يخترقه العالم لا أن يخترق هو العالم.. إني أنتظر أن أكون مغمورا داخليا و مدفونا، إنني أصور لكي أبزغ. إن ما نسميه شهيقا إلهاما ينبغي أن يؤخذ بالمعنى الحرفي : فهناك حقيقة شهيق و زفير للوجود، هناك تنفس في الوجود، هناك فعل و انفعال لا يمكن تمييزهما بحيث لا نعود نعرف من الذي يرى و من الذي يرى“ الكتاب المدرسي ص 349
- التجربة الفنية انقطاع عن - النظرة اليومية الأداتية النفعية للعالم
- النظرة العلمية الموضوعية التقنية
- التجربة الفنية توحد الذاتي بالموضوعي بالمعنى الاحيائي
النظرة الفنية تمعين للعالم
4) نحو مقاربة ايتيقية للجمال:ولكن...ألا يدل ذلك على أن الجمال قد يكون كيفية ما للوجود وللحياة ؟ ألا يدعو ذلك إلى مقاربة الجمالي، لا ضمن العلاقة بالحقيقة داخل الاستعادة الفلسفية للجمالي، و لكن ضمن أفق مغاير هو أفق الحياة ؟
فأي حياة تلك التي يدعونا إليها الجمال ؟ و كيف يمكن للجمالي أن يكون هو الحياة على نحو ما ؟
أ- الجمال إقبال على الحياة
ب - الجمال رمز أخلاقي
ج - الجمال تحرر و وعد بالسعادة
د - الجمال انفتاح على الكوني
أ - الجمال إقبال على الحياة
”لقد علّمنا الفن على مدى آلاف السنين أن نظر إلى الحياة و إلى كل شكل من اشكالها باهتمام و متعة و أن نستدرج أحاسيسنا هذه إلى الحد الذي تصرخ فيه : أيا تكن هذه الحياة فهي جميلة“ 
نتشه،الكتاب المدرسي ص 357
” الفن لعب و رمز و احتفال ” 
غادامير، حقيقة و منهج ص 347
- في مقابل الحقيقة التي تنمّط و تموضع و تشيء الوجود، لنا الجمال الذي يعيد تسريح ما تعطل من ذواتنا و إحياء الحيوي فينا بعد إذ جمدته العقلانية.
- الفن هو ما وراء الخير و الشر، براءة و شراهة وجود.
الجمال ليس فقط أثرا أو عملا بل هو كيفية وجود : حرية، إقبال، امتلاء، انتشاء( ديونيزوس، زارادشت، زوربا.. )
ب - الجمال رمز أخلاقي
” على الفنان أن يسعى إلى ابداع المثال بعد التوفيق بين الممكن و الضروري“ 
شيلر، الكتاب المدرسي ص 363
- وصل بين الجميل و الخير(اشتراك المعايير الجمالية و الأخلاقية: الحسن/القبيح، التجمّل)
- الجميل تهذيب للطبيعة الانسانية يرقى بها إلى مستوى الأخلاقية السامية (التطهّر).. الجمال إذ يؤهلنا للجلال.
- الجميل يطرد من الروح النزعات المعادية للمثل الأعلى للإنسانية فيؤهل الفرد إلى الامتثال طوعا إلى الواجب الأخلاقي.
الجمال تربية للجنس البشري
ج - الجمال تحرّر و وعد بالسعادة
” إن صفات الفن الجذرية، أي وضع الواقع القائم موضع اتهام و استحضار صورة جميلة للحياة، ترتكز تحديدا على الأبعاد التي بها يتجاوز الفن تعيينه الاجتماعي و ينعتق من عالم القول والسلوك المتواضع عليهما... و يفضي المنطق الداخلي للفن إلى بزوغ عقلانية و حساسية مغايرتين تتحديان العقلانية و الحساسية المندمجتين بالمؤسسات الاجتماعية السائدة“ 
ماركوز، البعد الجمالي ص 18
- كل حضارة هي ذات أساس قمعي يتمثل في التنظيم العقلاني والأخلاقي للرغبة و الانفعالات.
- قمع الحضارة المعاصرة يتمثل في سيطرة مبدأ النجاعة و المردودية على كل أبعاد الحياة الإنسانية :الإنسان ذو البعد الواحد
- هيمنة مبدأ النجاعة أنتج ”ذاتا بلا أفق“ مطلبها الوحيد استهلاك واتباعية نمطية.
- تسعى النزعة التقنوية إلى تبضيع منتجات الفن و استيعابها ضمن ذهنية الاستهلاك.
- الخيال الفني لا يمكن تنميطه و مأسسته.
- الخيال و البعد الجمالي هما أداتا نفي في صلب الحضارة القمعية قادران على تحرير الانسان من سطحية النزعة التقنوية و هيمنة مبدأ النجاعة.
د - الجمال انفتاح على الكوني” إن الانسان بحاجة إلى أن يكون أكثر مما هو، فهو بحاجة إلى أن يكون إنسانا كليا، و هو لا يكتفي بأن يكون فردا منعزلا، و هو من خلال سأمه الذي يشكل الطابع الجزئي لحياته الفردية يطمح إلى الخروج نحو كلية يرجوها و يطلبها، إلى كلية الحياة، ويسعى إلى عالم أكثر وضوحا و عدلا، إلى عالم يكون له معنى. إنه يثور على فكرة فنائه داخل وجوده المحدود و ضمن الحدود العابرة
والعارضة لشخصيته الخاصة. هو يريد التوجه إلى شيء ما أكثر من مجرد الأنا، و أن يوحّد هذه الأنا المحدودة بوجود جماعي عن طريق الفن.“ 
فيشر، الكتاب المدرسي ص 362استنتاجات
- خضوع العين لسطوة الفكرة أو الاعتقاد يمنعها من أن ترى، و إذا رأت فلا ترى جمالا بل رمزا أو مجازا أو ايحاء يجعل المرئي إشارة إلى عوالم أخرى.
- لا تولد النظرة الجمالية للعالم إلا حين تتحرر العين من إرادة الالحاق و الارجاع، و لكي ترى جماليا فلا بد من ابتعاد ما عن الحقيقة بالمعنى الذي تكون فيه الحقيقة الغاء للرؤية و إمكانها.
- استقلالية الجمالي عن الاعتبارات الدينية و المنطقية و الأخلاقية يسمح بظهور مبحث موضوعه ذلك الاحساس الفريد بالجمال مقصودا لذاته، وذلك المبحث هو الاستتيقا.
- المبحث الجمالي ينظر في الجمال بمعزل عن المعرفي و الأخلاقي و الحرفي، أي الحقيقة و الخير و النافع لكي لا يبقي في ذلك الاحساس إلا على السرور الناتج عن المتعة النزيهة و الحرة.
- مع المبحث الجمالي نفهم أن الجمالية ابداع حر أساسها العبقرية، و أن تقبل الأثر الفني استمتاع أساسه حكم ذوقي متحرر من المنفعة.
- سيطرة التصور الوضعي للحقيقة على المقاربة الاستيتيقية قد يؤول بها إلى نزعة تنميطية من آثارها تغييب الجمالي في الأثر.
- ذلك ما يدعو إلى مقاربة فلسفية للفن تستعيد فيه أبعاده الحق : انكشاف الذات و الوجود، انعطاء معنى العالم.
- فلسفة الفن تسمح بنقل الجمال من مجال الإبداع إلى رحابة الحياة حيث يغدو موصولا ببعد إيتيقي يفتح على الكوني : الجمال
كيفية حياة و فن وجود : اقبال على الحياة، رمز أخلاقي، تحرر و وعد بالسعادة، توحد بالكوني..
.

الأربعاء، 5 مايو 2010

لمراجعة مسألة العمل

مسألة العمل
تلخيص للدرس
مع مواضيع ونصوص للتدرب والمراجعة




للتحميل اضغط هنا

الاثنين، 19 أبريل 2010

المنهجية للشعب العلمية

المنهجية للشعب العلمية
دروس قناة 21
للتحميل اضغط هنا

الأخلاق الخير والسعادة اعداد أبو نادم المرزوقي


إن المشاكل التي تطرحها المسائل العملية سواء في مسألة العمل وما تفتح عليه من أشكال الاغتراب و ربما حتى استغلال و استعباد, أو في المسالة السياسية وما تفتح عليه من اغتراب سياسي و من فساد يجعل المواطنة مجرد فكرة صورية أو مثال أعلى يُشرَّع له قانونيا، في مقابل ممارسة سياسية تحول المواطن إلى مستهلك و تجعل الدولة تستبد بالسيادة فتقضي على المواطنة كما السيادة في واقع العولمة الموجهة من قبل القوى الامبريالية في العالم, أو حتى في مستوى الممارسة العلمية التي تمثلها النمذجة النسقية و ما تفتح عليه من تهميش لمطلب الحقيقة كقيمة معرفية و العلاقات المشبوهة بين المعرفة و السلطة, و التدخل العلمي في التركيبة الجينية للنباتات و الحيوانات و حتى الإنسان من اجل تحقيق النجاعة والمردودية... 

كل هذه المشاكل و ما تطرحه من احراجات و مفارقات بالنسبة لفكر كائن يتحدد باعتباره قيمة، تجعل الفلسفة الأخلاقية اليوم، و أكثر من أي وقت مضى, ضرورة حياتية إذا ما رام الإنسان الحفاظ على إنسانيته و تحقيق كونية أصيلة تصالح بين الإنسان و الإنسان, وبين الإنسان و الطبيعة في زمن الحد الأقصى من التواصل الذي غدى هو ذاته في حاجة إلى إيتيقا تنير له السبيل الأصيل لتواصل حقيقي. إن واقع الإنسان اليوم، يعلن الحاجة الملحة لعودة الفلسفة الأخلاقية و الإيتيقية، فطلب الأخلاق يبدو متزايدا اليوم, و لكن ماذا نعني بالأخلاق و ماذا نعني بالإيتيقا؟
إن كلمة إيتيقا Ethique الفرنسية من أصل يوناني، و تعني البحث عن نسق مبادئ تهدف إلى وجود خير و سعيد, في حين أن كلمة أخلاق Morale الفرنسية من أصل لاتيني، و تتحدد كنظرية في الجبر، نظرية في القانون و الواجب الأخلاقي باعتباره لا مشروط و كوني. و يجب أن نلاحظ أن الإيتيقا تشهد اليوم أكثر حظوة في مقابل احتشام الاهتمام بالأخلاق. و الإيتيقا اليوم تفيد عموما النظرية العقلانية حول الفعل و الحياة الخيرة و بالتالي تتمثل في دراسة مشاكل القيم التي تطرحها مسائل المحيط (إيتيقا المحيط) و الممارسات الطبية (البيوايتيقا)... ذلك أن القانون الأخلاقي و الـجبر الأخلاقي يشهد اليوم تراجعا أمام الحياة الخيرة. و من هذا المنطلق يبدو من المشروع بالنسبة إلينا أن نطرح المشكل الإيتيقي الذي يتعلق بالخير و السعادة و إذا كان الخير الأسمى هو المطلب الأساسي في الفعل الأخلاقي , ففيما يتمثّل هذا الخير الأسمى؟ هل يتمثل في الخضوع لأوامر الواجب أم في تحقيق السعادة ؟ أليس الإقرار بأن السعادة هي الخير الأسمى هو نفي لصفة الأسمى على الخير مثلما بيّن ذلك كانط؟ ألا تمثّل نسبية السعادة حاجزا يعوق توحّدها مع الخير الأسمى و بالتالي تقضي بضرورة الفصل بين الخير و السعادة و بين الأخلاقية و السعادة على أساس لا تحدد السعادة؟ و بهذا المعنى ألا يكون الخير الأسمى باعتباره الأخلاقية شرط السعادة دون أن يتماهى معها ؟ ثم كيف نعرف ما هو خير، هل يتعلق الأمر بالخيرات أي بما يريد الفرد تحقيقه لذاته آو حتى ليتقاسمه مع الآخرين؟ أم هل يتعلق الأمر بخير فعل ما سنفعل, وهو ما يحدد الفضيلة عند الرواقيين؟ أم هل يتعلق بمثال الخير، الخير في ذاته باعتباره الغاية القصوى لكل فعل ممكن مثلما ذهب إلى ذلك أفلاطون؟ و كيف يمكن أن نحدد الخير خارج علاقته بالسعادة؟ ثم قبل ذلك ما هو مصدر القيم الأخلاقية، هل هي واردة من أفق متعال أم أن الإنسان واضعها ؟

I
مصدر القيم الأخلاقية:

إن القيم الأخلاقية، من الزاوية المنطقية، يمكن أن تكون صادرة إما عن كائن متعال وهو موقف شائع تربط فيه الأخلاق بالدين، موقف بينت المقاربات الموضوعية تهافته، وإما الإنسان وهو الأصل الذي يعترف به الفلاسفة و المفكرين. غير أن المفكرين والفلاسفة وإن اتفقوا على كون مصدر الأخلاق هو الإنسان فقد اختلفت رؤاهم فمنهم من اعتبره الإنسان كعقل ومنهم من اعتبره الإنسان كرغبة ومنهم من اعتبره الإنسان كمجتمع.

1)
كانط: العقل:

يريد كانط أن يحدد المبدأ الأساسي لكل فعل أخلاقي أي المبدأ الصوري الذي تستمد منه القواعد الأخلاقية, فهو إذن على خلاف الفلاسفة لا يقدم نسقا أخلاقيا يضبط فيه الواجبات الأخلاقية وإنما يبحث في المبدأ الأساسي لكل فعل أخلاقي, لذلك يطرح كانط سؤال يتعلق بالمفهوم المركزي الذي تدور حوله الأخلاق ليجيب بأن الواجب هو هذا المفهوم, فالواجب عند كانط هو جوهر التجربة الأخلاقية. والواجب يمثل الجبر الأخلاقي في ذاته بقطع النظر عن تطبيقاته وعلى هذا الأساس يتحول سؤال ما هو مصدر الأخلاق؟ مع كانط إلى ما هو مصدر الواجب؟
الواجب كمفهوم يتسم بالكونية والضرورة لا يمكن أن يكون حسب كانط نتيجة للتجربة والخبرة ذلك أن الكونية والضرورة هي ميزات ما هو قبلي فالواجب عند كانط هو إذن مفهوم قبلي. كمفهوم قبلي لا يمكن أن يكون الواجب صادرا إلا على العقل، لذلك يميز كانط بين الأمر الشرطي والأمر القطعي, فالأول هو أمر يربط بين الفعل والمنفعة التي تتحقق منه وهذا يعني أن الفعل وفق الأمر الشرطي لا يكون ضروريا بصفة محضة فهو ضروري لتحقيق غاية ولذلك لا يعبر الأمر الشرطي عن الواجب باعتباره كوني وضروري. فالواجب ككوني وضروري لا يمكن أن يكون إلا أمرا قطعيا يأمر دون شرط فهو يضبط الإرادة بالقانون وهذا يعني أن الأمر القطعي وحده يمثل قاعدة أخلاقية بالنسبة لكانط.

2)
دوركايم: المجتمع
:
أما في المنظور السوسيولوجي فإن مصدر الواجب والأخلاق هو المجتمع، إذ ينفي دوركهايم أن يكون الواجب صادرا عن العقل أو عن الدين, فمن هذا المنظور تجد الأخلاق مصدرها في المجتمع. وتناول دوركهايم للمسألة الأخلاقية يجد منطلقه في تحليل الضمير باعتباره ملكة الحكم القيمي على أفعالنا, فالضمير يمثل صوت الواجب ويعبر عن الخاصيتين الأساسيتين للواجب:

-
كون الواجب خارج عن الفرد والدليل على ذلك أن الواجب لا يتطابق في كل الحالات مع طبيعة الفرد ومزاجه.
- القهر والإلزام ( ضد كانط لأنه يفصل بين الواجب والعقاب فالقيام بالواجب لتجنب العقاب هو خضوع لأمر شرط في حين أن الواجب أمر قطعي) وهذه الميزة تظهر فينا بتأنيب الضمير عندما لا نخضع للواجب وتأنيب المحيطين بنا. ويجب أن نلاحظ أن صفة القهر والإلزام هي في الحقيقة صفة ملازمة لكل الظواهر الاجتماعية بالنسبة لدوركهايم.
الواجب بما هو خارج عن الفرد وبما هو متميز بالقهر يجد مصدره في المجتمع, فالمجتمع هو الذي وضعه فينا بالتربية والتنشئة. وهكذا يرجع دوركهايم الأخلاق كظاهرة اجتماعية إلى الضمير الجمعي وتتحدد في نهاية الأمر باعتبارها وظيفة في المجتمع , فالأخلاق تقوم بوظيفة خلق التماسك والوحدة الاجتماعية لذلك يحدد دوركهايم الخير باعتباره الأخلاق وقد تمثلت شيئا حسنا والمجتمع هو الخير باعتبار أن المجتمع حقيقة أثرى من حقيقة الفرد, إذ بالاجتماع يحقق الإنسان إنسانيته.

لكن إذا كان كانط أسس أخلاق صورية قال عنها هيجل أنها غير صالحة ولا تجعل الفعل ممكنا فإن دوركهايم قد أهمل- عندما حدد مصدر الواجب باعتباره المجتمع-التفاعل بين الوعي الفردي والوعي الاجتماعي إذ تبين لنا التجربة أن الفرد، و في كثير من الحالات، هو الذي يبادر بإرساء قيم تصبح عامة بموجب التكرار والتعود.

3)
نيتشه: إرادة القوة:

الأخلاق الحق عنده تتجاوز حقل الواجب لأن الواجب هو تقنين السلوك الموجه ضد الحياة. فالإنسان عند نيتشه هو قبل كل شيء إرادة القوة لذلك يسعى إلى تفسير نشأة الأخلاق المثالية جينيالوجيا بإرجاعها إلى أصلها لكن إذا كانت الأخلاق صادرة عن إرادة القوة فكيف تكون أخلاق الفلاسفة المثاليين موجهة ضد الحياة؟
إن إرادة القوة عند نيتشه منشطرة إلى إرادة حياة وإرادة عدم وهذا الانشطار ناتج عن دينامية الرغبة ذاتها بما هي ماهية الإنسان, فالرغبة كرغبة تسعى إلى الإشباع وبالتالي تفتح على اللذة فتتحدد باعتبارها إرادة حياة، فالإشباع هو تمجيد للحياة و إقرار لها، و لكن أيضا، الرغبة كرغبة تبحث عن الإشباع تنفي موضوعها و بالتالى تفتح على الموت فتتحدد كإرادة عدم.

إرادة القوة عندما تكون في أوجها وصاعدة تناشد الحياة وتمجدها لأنها قادرة على فرض سلطانها وقوتها لكن بما أن كل قوة مآلها الضعف و بالتالي الانحطاط فان إرادة القوة الواهنة تنتج القيم والأخلاق, أخلاق الشفقة كحيلة للمحافظة على بقائها فتنقد اللذة والرغبة وتحاصرها ومن هنا تظهر حسب نيتشه نقمتها على الحياة, هذا يعني أن نيتشه يرجع كل وجود إما إلى القوة وإما إلى الضعف والضعف هو مصدر أخلاق الشفقة لذلك ينظر نيتشه لأخلاق الأقوياء, الأخلاق التي تقوم على القوة وإرادة الحياة، ذلك أن أخلاق الشفقة تمنع الإنسان من بلوغ أعلى درجات القوة و البهجة و بالتالي السعادة.

و هكذا نتبيّن اتفاق كل المقاربات الفلسفية حول اعتبار القيم جوهرية وأولية في الأخلاق, فحتى المقاربة الجينيالوجية التي طرحت قيمة القيمة ونقدت القيم انتهت إلى وضع القوة كقيمة. والفعل الأخلاقي عند الفلاسفة هو الفعل الذي يتطابق مع مبادئ الخير. لكن فيما يتمثل هذا الخير؟ في الواجب أم في السعادة؟ وما هي طبيعة العلاقة بين الخير والواجب والسعادة؟

) السعادة كواجب

إن الأنساق الأخلاقية السابقة لكانط ترى في السعادة غاية كل فعل إنساني، فهي الخير الأسمى لذلك تسمى أخلاق أودونية. في حين يعتبر كانط أن الفعل الأخلاقي هو الفعل الذي يقوم بالواجب من أجل الواجب .فهل يعني ذلك أن القيام بالفعل من أجل تحقيق السعادة هو فعل لا أخلاقي؟
يلاحظ كانط أن السعادة بما هي حالة كمال هي مفهوم غامض لأنه يرتبط بالتجربة فالسعادة عنده هي مثل أعلى لا للعقل بل للتخيل يقوم على مبادئ خبرية فحسب. فالسعادة إذن، ليست مفهوما عقليا وترتبط برغد العيش، لذلك لا يمكن تحديدها, فرغد العيش يختلف من شخص إلى آخر بحسب خبرته وميولا ته لذاك يرى كانط أن السعادة ليست من مجال الأخلاق, فمجال الأخلاق هو مجال ما هو عقلي, كوني وضروري أي واجب. ومجال السعادة حسب كانط هو الدين لأن السعادة هي موضوع أمل و من حق الإنسان ككائن رغبة أن يأمل في أن يكون سعيدا دون أن يناقض ذلك الواجب. فما هو أولي بالنسبة لكانط هو الأخلاق الكونية ولا يهدف أي فعل في المجال العملي إلا إلى تحقيق الفضيلة باعتبارها طاعة الأمر القطعي. لكن ذلك لا يمنع من أن تكون مقولات العقل العملي مقبولة في حقل الأخلاق وهو ما يضفي مشروعية على البحث عن السعادة. يقول كانط: «الأخلاق ليست إذن نظرية تعلمنا كيف يجب أن نكون سعداء ولكن تعلمنا كيف يجب أن نكون جديرين بالسعادة, ذلك أننا لا نأمل في تحقيق السعادة إلا بتدخل الدين». وهكذا يكون البحث عن السعادة عند كانط أمرا مشروعا وواجبا في معنى ما بما أن التعاسة ليست ظرفا مناسبا للقيام بالواجب. السعادة كموضوع أمل بالنسبة لكانط لا تتحقق في الأرض و تبقى موضوع أمل مشروع ليس إلا. و هكذا يرتبط كانط الحرية بالعقل، فالإرادة الخيرة هي التي تخضع لإرادة القانون العقلاني والكوني أما الإرادة التي تخضع للرغبات الحسية فهي إرادة مرضية بالمعنى الكانطي أي لا تخرج عن تأثير الحواس, فالحرية والعقل لا ينفصلان عند كانط الذي يقول : "الحرية هي خاصية إرادة كل كائن عاقل"، وبالتالي لا تكون السعادة بالنسبة لكانط شأنا سياسيا.

2)
في تضايف الخير و السعادة
:
غير أن أرسطو على خلاف كانط يرى أن تحديد الخير يقتضي اعتباره من جهة كونه غاية جماعية لا فقط كغاية فردية, ذلك أن الإنسان عنده هو حيوان اجتماعي, و من هذا المنطلق تعتبر الإيتيقا بالنسبة إليه معرفة متعلقة بالفعل, و ترتبط بالخير الأسمى الذي يمثل غاية كل فعل إنساني, والخير الأسمى هو السعادة, و هكذا فإن السعادة عند أرسطو تتمثل في فعل عقلي يتحدد في التأمل كنشاط عقلي, الذي يتماهى و الفضيلة. يقول أرسطو "إذا لم تكن السعادة حقا إلا الفعل المطابق للفضيلة، فمن الطبيعي أن يكون الفعل المطابق للفضيلة التامة، أعني فضيلة الجزء الأعلى من الإنسان". وهو ما يعني أن السعادة هي نتيجة الحياة الفاضلة. وبما أن الفضيلة ترتبط بالتأمل العقلي الذي يمثل ما هو أعلى في الإنسان، فإن السعادة تتجاوز اللذة الحسية البسيطة من جهة كون اللذة مؤقتة في حين أن السعادة لا زمنية ودائمة، والتأمل العقلي هو الذي يحقق ثباتها دوامها. وبالتالي فإن الحكيم الذي يتأمل الخالد في حياة رفاه يجسد الإنسان السعيد. وهذا الموقف الأرسطي ينخرط في التصور الإغريقي الأودوني Edémoniste الذي يقر بأن السعادة هي غاية كل فعل، وتتحدد السعادة باعتبارها تطابق بين الإنسان ونظام الطبيعة. ولكن يجب أن نلاحظ أن أرسطو يربط بشكل صريح البحث عن السعادة بالتنظيم العقلاني للحياة الاجتماعية. فالإيتيقا ترتبط بالسياسة، وخير الفرد يتوقف على الخير الأسمى للمدينة وبالتالي للدولة. وبما أن السعادة هي مثال أعلى وهدف، فإنه من الضروري تعميمها وأنسنتها وبالتالي تسييس البحث عن السعادة.

تلك هي أيضا وجهة نظر الموقف النفعي. ذلك أن اشباع اللذات لا يقود إلى السعادة إلا في إطار المصلحة العامة. والنفعية هي موقف جيريمي بنتام Jeremy Bentham الذي انتهى إلى تجريد القيم الأخلاقية من كل أساس مرجعي متعال، بما أن المبدأ الأخلاقي الوحيد عنده هو مبدأ المنفعة بمدلولها الخاص و الفردي. و رغم تأكيده على دور الدولة في ضمان النفع لأكبر عدد من الأفراد، فإن بنتام يخلص إلى أنه يجب على الفرد أن يتحقق من المنفعة التي تعود عليه هو ذاته من الفعل قبل أن يقوم به. ومن هذا المنظور المادي يذهب بنتام إلى التأسيس "لعلم حساب اللذة والآلام"، قاصدا أن يكون معيارا لقياس السلوك الأخلاقي والعملي قياسا كميا. وبما أن المبدئية الأخلاقية هي المنفعة، فقد كان لازما على هذا العلم أن يؤسس لطريقة تمكن من قياس اللذة، تلك التي يصنفها بنتام إلى نوعين "متجانسة" و"غير متجانسة ويحرص بنتام على التأكيد على أن مقياس الكم قابل لقياس ما يسميه باللذات المتجانسة، غير أنه عندما يبحث اللذات غير المتجانسة، كلذة القراءة مثلا وغيرها فإنه اعترف بصعوبة حسابها كميا. لذا نجده يبحث عن مقياس آخر يقاربها به والمقياس البديل الذي وضعه لا يخرج عن الرؤية الكمية النفعية التي تحكم منظوره ككل؛ ذلك أنه رأى أن هذه اللذات غير المتجانسة يمكن قياسها بـالمال أي أنه يجب على الفرد أن يقيس تلك اللذة بمقدار ما يصرفه من مال لتحصيلها، فإذا كان المبلغ المالي الذي تحتاجه مكلفا يجب أن يعرض عنها إلى لذة أقل منها كلفة. 

و جون ستيوارت ميل John Stuart Mill، الذي يحدّد السعادة من زاوية مادية وجماعية، والذي يستعمل مفهوم الخير باعتباره مجموع الخيرات التي يمكن الحصول عليها يسير في نفس اتجاه بنتام عندما أقر : "نعني بالمنفعة امتلاك أي شيء ننحو بفضله إلى تحقيق مصلحة، مكسب، لذة، خيرا او السعادة". وهو موقف غير بعيد على التصور الابيقوري، الذي يحدّد السعادة باعتبارها اللذة وغياب الالم تماما مثل التعاسة باعتبارها "الالم والحرمان من اللذة". إذ يعتبر أبيقور أن اللذة هي بداية الحياة السعيدة وغايتها فهي الخير الأول ومعيار الخير, فاللذة عنده هي إذن شرط الخير والخير شرط السعادة لكن بالتوازي اللذة هي الخير وهي السعادة بما أنها طبيعية في الإنسان. لكن عندما يعتبر أبيقور أن اللذة هي الخير لا يجعل من اللذة غاية كل فعل أخلاقي أي أنه رغم كونه يعتبر اللذة هي الخير الأول لا يقدم نظرية هيدونية لأنه يقدم اقتصادا كاملا في اللذة. فنحن لا نبحث عن اللذة إلا لندفع الألم لذلك فالسعادة عند أبيقور لا ترتبط باللذة الحسية فحسب وإنما تقتضي الحكمة التي توجهنا في إشباع اللذات.الحكمة واللذة هي طريق للسعادة التي تمثل عند أبيقور حالة تتميز بغياب الألم وبالتالي بغياب اللذة يسميها الأتراكسيا..

3)
السعادة و الرفاه
:
إن ما يجعل السعادة مثال أعلى، بالنسبة للنفعية، هو كونها مقصودة وفق إستراتيجيا جماعية و كونها ترتكز على الاعتقاد في التقدم التقني و الاقتصادي. ذلك أن تفاؤل فلاسفة الأنوار، جعلهم يربطون السعادة بتطور المعرفة و الذكاء الإنساني، تفاؤل يجد في إقرار روسو بخيرية الإنسان سندا له، مما جعل روسو يؤكد في كتابه «إيميل» على دور التربية في تحقيق سعادة الطفل، إذ ينادي روسو بضرورة ترك الطفل يتطور وفق طبيعته الخيرة. وهو ما يؤكد أن السعادة هي أساسا مثال أعلى، فكرة، شيء علينا تحقيقه لا فقط بالنسبة للأفراد بل لكل الناس، و من هنا بالذات يحصل الإنزلاق الذي يجعلنا نتحول من الإنسانية إلى النفعية كما تجلت عند بنتام وميل، ثم إلى المادية الصرفة و الفردانية التي غدت فيها السعادة اليوم مرادفة للرفاه.

فأن نعتبر الخير كمجموع الخيرات التي يمكن الحصول عليها، و أن يبحث كل فرد عن أكثر لذة و أقل عناء، هو أن نعتبر سعادة الفرد جزءا من الرفاهة العامة. ذلك أن النفعية تتحدث عن السعادة في المستوى الاجتماعي، و بالتالي السعادة لكل الناس رغم كونها تختزل الخير في النافع. فالنافع هو ما يمكن من تحقيق الخير، وهو مفهوم سبق أن تحدث عنه أبيكتات و حتى سبينوزا، فالحكيم الرواقي يبحث عن النافع. غير أن النافع عند إبيكتات كما عند سبينوزا لا يرتبط بما هو مادي، في حين ننظر اليوم إلى النافع باعتباره نافعا ماديا. ذلك أنه بالنسبة للنفعية، لكي تكون السعادة شيئا يمكن توزيعه بطريقة عادلة بين الناس، يجب أن تكون مادية، فلكي تكون قابلة للقسمة يجب أن تكون قابلة للقياس، و بالتالي تتماهى السعادة مع الرفاه في المجتمعات الاستهلاكية.
4)
في تجاوز النفعية و سعادة الرفاه
: 
إن الفردانية ليست فقط واقع ولكنها أيضا مثال أعلى، وإتباع حاجات الفرد كعنصر في المجتمع ليست فقط أمرا مقترحا بل يقدم كخير مطلق. فالمجتمع الاستهلاكي ليس فقط مادي، وذو نزعة مادية لأنه يكرس خطابا يسعى من خلاله لإقناع كلّ الأفراد، بل انه مثالي بطريقته، بما انه يقدم الرفاه كمثال أعلى، رفاه فردي ولكن رفاه فردي لكلّ الناس. وخطاب السوق هذا، ككل خطاب أيديولوجي، يزعم انه يقدم أجوبة لكل التساؤلات. وحول السؤال الذي قد يطرحه كلّ واحد منا: ما السعادة؟ يجيب يجتمع مجتمع السوق بدلا عنا. وإجابة المجتمع الاستهلاكي تقدم لنا مثالي السعادة كرفاه، وبهذه الكيفية يكون لكلّ الناس نفس مثالي السعادة. في حين أن كانط عندما أقرّ بان السعادة هي مثال أعلى للتخيل، كان يؤكّد على كون السعادة شأن شخصي. ولا يجب بالتالي أن نخلط بين تحقيق الرفاه وتحقيق السعادة. ثم إن المجتمع الاستهلاكي عندما يقدم مثال أعلى للسعادة الفردية كرفاه، ينولّد عن ذلك اغتراب الأفراد بالنسبة للاجتماعي، إذ يصبح لهم نفس المثالي الشخصي. والمجتمع الاستهلاكي الذي يدفعنا للفردانية، يدفعنا جميعا كالقطيع، وهذا النوع من الفردانية ليس مرادفا بالضرورة للتسيير الذاتي وللحرية.
لذلك لابدّ من مراجعة طرح مسألة السعادة، بالعودة أولا إلى الفصل بين الايتيقيا والأخلاق، إذ لماذا تكون السعادة مسألة ايتيقية؟ لماذا علينا أن نختار بين أخلاق واجب وإيتيقا سعادة؟ لماذا لا يمكن التفكير فيهما معا؟ وبالتالي المصالحة بين الواجب والسعادة، بين الحرية وبالتالي الفردانية الحقة والخضوع للجبر الأخلاقي من جهة كونه طريق الكونية والانسانية.

إن السعادة تطرح باعتبارها مثال أعلى وبالتالي لا كشيء معيش، وذلك ليس غريب بما ان السعادة تتحدّد كحالة اشباع كامل ومتواصل في الزمن، و كحالة اكتمال لا يمكن أن تكون السعادة شيئا معاشا، ولكن مع ذلك لا يجب الزهد في طلبها مثلما بين ذلك فرويد. إن السعادة هي حالة الرضاء التام والامتلاء لذلك تختلف عن اللذة التي هي رغد مستحب من طبيعة حسية. وإذا كانت السعادة تعني راحة تامة وتتقدم باعتبارها الخلود ذاته فإن اللذة زمانية فهي حركة ودينامية قد تطيلها وتضخمها الذاكرة والخيال, لكن السعادة تختلف أيضا عن الفرح ففي حين أن اللذة مجزأة فإن الفرح هو حالة وجدانية إجمالية إذ تمثل كما بين ذلك سبينوزا التحول من حالة كمال منقوصة إلى حالة أرفع منها, حالة تزيد فيها قوة فعل الجسد,أما السعادة فإنها ليست تحولا فالفرح ديناميكي في حين أن السعادة ستاتيكية فالسعادة التامة تبدو إذن مسألة يصعب تحقيقها رغم كون الأنساق الهيدونية كانت تقدم طرائق يفترض أنها تحقق السعادة كذلك الشأن الأبيقورية مثلا. و إذا كانت السعادة هي حالة الإشباع التام لكل الرغبات فإن ذلك يعني أن سبيل تحقيقها هو القضاء على كل ألم وإذا كان أبيقور ينظّر في أخلاقه إلى طرق تمكن من تجاوز الألم حتى وإذا كان ذلك بطريقة واهمة عبر الخيال والتخيل والتذكر فإن فرويد ينفي ذلك إذ يبدو أن الألم يتمادى مع الوجود الإنساني، إذ يجد مصدره في قوة الطبيعة وشيخوخة الجسد بل حتى في سلاح الإنسان ضد هذين المصدرين أي الحضارة, فالألم إذن يوجد في التركيبة النفسية للإنسان لكن إذا كان الألم متماد مع الوجود الإنساني فإن ذلك لا يجب أن يؤدي بنا إلى الزهد في الحياة وفي طلب السعادة إذ يبدو حسب روسو أن سعادة الإنسان لا تتحقق في السكينة التامة واستكمال الملذات بل تتحقق بالمكابدة والمجاهدة لأن الحياة التامة التي تتحقق فيها كل آمالنا و أحلامنا تعني الموت لأننا عندها كون محرومين من لذة الرغبة.
و هكذا يمكن القول أنه، وفي مقابل السعادة، يتقدم الفرح كشيء معيش. وبالتالي كحالة ديناميكية غير ستاتيكية مثلما هو شأن السعادة. ولعلّ تفكير سبينوزا في الفرح وعلاقته بالمعرفة يمكننا من الجمع بين الواجب والسعادة فالمعرفة هي مجال الحرية الحقة بالنسبة إلى سبينوزا، والفعل الحسن عند سبينوزا هو البحث عما يسميه بالنافع الخاص، ولا يتعلق الأمر بالخيرات الخبرية التي تؤدي إلى الاغتراب مثل اللذة والشرف والثراء، بل على العكس من ذلك النافع الخاص يزيد من قوة فعل الفرد وقوة فعل المجموعة، والعقل هو الذي يحدّد هذا النافع الخاص، إذ المعرفة هي التي تمكن الفرد من أن يحقق ذاته بحسب رغبته، فالإنسان الحر حسب سبينوزا هو من يرغب في الخير. يقول سبينوزا "إن الإنسان الحر يرغب في العقل، في الحياة، في المحافظة على كيانه على أساس البحث عن النافع الخاص، هو ذاك الذي لا يفكر في الموت بل إن حكمته هي تأمل في الحياة"، وهذا الوجود الحر والسعيد والعقلاني هو جائزته، وليس هو نتيجة حساب، انه التعبير من الفرد ذاته عندما يحقق ذاته ذلك أن "الغبطة ليست جائزة الفضيلة ولكن الفضيلة ذاتها، ونحن لا نعيش الفرح لأننا نمنع رغباتنا الحسية، بل عكس ذلك لأننا نعيش الفرح نستطيع منع هذه الرغبات" والغبطة باعتبارها أرقى درجات الفرح تتقدم كحكمة ثابتة، والإنسان الحر يحقق الغبطة لأنه يحقق كمال ذاته


منقول عن
http://www.facebook.com/topic.php?uid=74522697342&topic=8767



الأربعاء، 7 أبريل 2010



الدولة : السيادة والمواطنة

التخطيط* مدخل إشكاليدواعي التفكير في الشأن السياسي
- الإنساني يتحقّق في إطار مدني سياسي:
- الوعي بالذات يقترن بالوعي بالدولة
- مفارقات وعي الإنسان بالدولة:
شرط حماية حقوق الإنسان / / مصدر تهديد هذه الحقوق
فيها تَتحقّق الهوية / / فيها تغترب الذات
المشكل
إذا افترضنا أن إنسانية الإنسان لا تتحقق إلا بسيادته على ذاته في فضاء مدني٬ فضمن أي تصور للسلطة السياسية يكون هذا الفضاء ممكنا ؟ و هل بإمكان المواطنة بالمعنى الديمقراطي ضمان هذا المطلب ؟ ألا يدعونا واقع التعدد والاختلاف اليوم إلى فتح السياسي على أفق إيتيقي يؤسس لمواطنة كونية ؟ ”إنّنــا لا نناقـش أمرا هيّـنا ، إنّنا نناقش كيف يجب أن يعيش الإنسان“
أفلاطون : كتاب الجمهوريّـة
1ـ في السيادة و غياب المواطنة: الاستبدادأ ـ تعريف السلطة الاستبدادية” الاستبداد هو الحكم الذي يقوم على التفرد بالسلطة المطلقة و لا يقبل المشاركة في القرار أو مناقشته و لا يرتكز على قانون“ الكتاب المدرسي
”الاستبداد هو ممارسة للسلطة لا تستند لأي حق٬ و هو يقوم على استخدام امرئ للسلطة من أجل مصلحته الخاصة لا من أجل خير المحكومين“ جون لوك رسالة في الحكم المدني
ب ـ الاستبداد بما هو أسلوب في الحكم:
ـ التفرّد بالسلطة المطلقة (غياب المشاركة في القرار)
ـ غياب المحاسبة و المراقبة
ـ عدم الاستناد إلى حق قانوني
(سلطة المزاج والأهواء والاعتباطية والمصلحة الخاصة)
” الاستبداد هو التصرف في الشؤون المشتركة بمقتضى الهوى“
عبد الرحمان الكواكبي
ـ العنف ” الدكتاتورية هي حتما نظام عنف(...) لا تعترف إلا بقوة واحدة تستبعد كل قوة أخرى“ ج. فروند
ج ـ منزلة الإنسان في السلطة الاستبدادية:ـ اعتبار الإنسان ”عبدا“ أو ”أداة“
”العبد هو من يضطر إلى الخضوع للأوامر التي تحقق مصلحة سيّده“ سبينوزا
العبد بخلاف الحرّ هو من يوجد من أجل غيره ولا يكون غاية ذاته، أرسطو
ـ الإنسان رعيّ أو فرد من قطيع
غياب الاستقلالية و السيادة على الذات
اغتراب الإنساني
غياب المواطنة لانعدام شروط إمكانها في شكل السلطة الاستبدادية
2 ـ في التوافق بين السيادة و المواطنة: الدولة الديمقراطيةإذا كان شكل السلطة الاستبدادي لا يحقق سيادة الإنسان على ذاته و لا يعامله كمواطن ٬فضمن أي تصور للسلطة يمكن أن يتحقق التوافق بين السيادة و المواطنة؟ وهل بإمكان مؤسسة الدولة ضمان هذا المطلب؟أ ـ من جهة الأساس : التعاقد الاجتماعي
التعاقد:” أن يتنازل كل شريك للمجموعة بأسرها عن كل ما له من حقوق و يمنح لها نفسه بالكليّة“. روسو
تجاوز ـ الأساس الطبيعي
ـ الأساس اللاهوتي
ـ الأساس الأبوي
ـ الأساس الكاريزمي
الأساس التعاقدي للدولة: اصطناعي٬ إنساني ٬ مدني٬
ب ـ من جهة الغاية: الخير المشترك، الحرية، السلام
”الغاية التي أنشئت من أجلها الدولة هي الخير المشترك“ روسو
” اخترع الناس الدولة لكي لا يطيعوا الناس“ ج. بيردو
” إن غاية الدولة في الواقع هي الحرية“
” إن غاية الديمقراطية و مبدأها هو تخليص الناس من سيطرة الشهوة العمياء و الإبقاء عليهم بقدر الإمكان في حدود العقل بحيث يعيشون في وئام و سلام“ سبينوزا
د ـ منزلة الإنسان في الديمقراطية: المواطـَنة
” العبد هو من يضطرّ إلى الخضوع للأوامر التي تحقق مصلحة سيده، والابـن هو من ينفّذ، بناء على أوامر والديه، أفعالا تحقق مصلحته الخاصة و أما المواطن فهو من ينفّذ بناء على أوامر الحاكم أفعالا تحقق المصلحة العامة، و بالتالي مصلحته الشخصيّة“ سبينوزا
المواطن: ”شريك“، ” عضو“، ” جزء لا يتجزأ من الإرادة العامة“
له حقوق و عليه واجبات :
حق الانتخاب، حق المراقبة و المحاسبة و مقاومة العنف اللاّشرعي...
واجب الامتثال للقانون...
المواطَنة هي وضعٌ قانونيٌّ للإنسان ضمن فضاء عمومي، ناتج عن إرادة واختيار.
3 ـ حدود التوافق بين السيادة و المواطَنة
أ ـ حدود بنيوية
ـ سلطة الأغلبية تهديد الحرية الشخصية
” مَنْع الإنسان من التعبير عن رأيه شرّ لأن فيه سلبا للإنسانية كلها“.
س. ميل
ـ التفاوت الطبقي تهديد العدل و المساواة
الاقتصار على حقوق الإنسان البرجوازيّ الأنانيّ. ماركس
ـ مشكل الأقليّات تهديد حقوق الأقليّات
ـ ظاهرة الاغتراب السياسي:
" ينزع صاحب السيادة دوما إلى ابتزاز السيادة ذلك هو الداء السياسي الجوهري " ب. ريكور
ب ـ حدود تاريخية
ـ سيادة الدولة يهددها العدوان أو الاستعمار
ـ تشابك المصالح بين الدول
ـ تحكّم بعض الدول في المؤسسات الاقتصادية والسياسية العالمية (العولمة)
ـ العلاقات الدولية محكومة بمنطق العنف الشبيه بالعنف في حالة الطبيعة (حالة حرب كونية)
اهتزاز أركان سيادة الدولة
ج ـ مأزق الفكر السياسي:
قصور التصور التعاقدي الكلاسيكي عن حل المشكل السياسي ببعديه :
ـ منزلة المواطن السياسية داخل الدولة
ـ منزلة المواطن و الدولة داخل العالم
استئناف التفكير الفلسفي في منزلة الإنسان السياسية وفي مسألة السيادة
والمواطنة لا بما هي شأن مدني فحسب بل بوصفها شأنا عالميا أيضا.
4 ـ نحو نموذج جديد للمواطنة : المواطنة الكونيةأ ـ في الحاجة إلى نموذج جديد للمواطنة
” يلزمنا نموذج جديد للمواطنة العالمية يمكنه أن يحطم الرابطة بين الانتماء و الإقليمية. على الأفراد أن يكونوا قادرين على ممارسة حقوقهم من جهة كونهم كائنات إنسانية لا من جهة كونهم كائنات قومية. و قد يكون هذا النموذج متعدد الثقافات بالمعنى الذي يعترف فيه بالتنوع العرقي و الهويات المتعددة“ ستيفن كاستلس ( كتاب الفلسفة شعب علمية، ص 317)
مدلول الحاجة: ضرورة واقعية
اقتضاء أخلاقي
ب ـ شروط إمكان تحقق هذا النموذج
ـ تجاوز نموذج ” الإنسان الفرد“ بمظهريه:
ـ الاستبدادي: ← تسلّط الفرد
ـ الديمقراطي الّليبرالي:
← تنامي النزعة الفردانية
← عدم اكتراث الأغلبية بالشأن السياسي (توكفيل)
← تحوّل الممارسة السياسية إلى تقنية أداتية
تستبعد القيم والغايات ولا تعترف إلاّ بالنجاعة.
ـ الاعتراف بتنـوّع الإنسانية:
المواطنة الكونية: تعني المساواة في الحقوق الاجتماعية و السياسية بين كافة البشر دون أن يُحمل ذلك على معنى فرض التماثل بينهم
الدستور الكوني: ” إقامة علاقات سلمية بين البشر تأخذ طابع القوانين العامة للجنس البشري“ (كانط)
دون أن يعني ذلك فرض نموذج واحد في الحكم و لا إلغاء الدولة الوطنية
← كونية لا تنفي الخصوصية و التنوع بل تفترضهما ج ـ الأساس الإيتيقي للمواطنة الكونية
الإنسان غاية لا وسيلة:
” اعمل دائما بحيث تعامل الإنسانية في شخصك و في أشخاص الآخرين كغاية لا كمجرد وسيلة“ كانط
تجاوز الأخلاق الشّرطية
إيتيقا التواصل: الحوار الكوني:
مواجهة” العقل الأداتي“ بـ ” العقل التواصلي“: ”هو العقل الذي يحول طاقاته النقدية إلى قوى دفع للتواصل المحقّق للاتفاق دونما إكراه أي قوة الاتفاق البينذاتي بما هو البديل الوحيد عن استعمال العنف في حال الصراع“ هابرماس
استنتاجاتـ السلطة تمارس دوما ضمن تصور ما للإنسان. ففي سلطة استبدادية يكون الانسان عبدا رعيا فاقدا لسيادته على ذاته. و اما في نظام ديمقراطي فهو يعامل باعتباره ذاتا عاقلة حرة.
ـ الديمقراطية إذ تجعل من الإنسان مواطنا تحقق معنى إنسانيته وتمنحها شكلا مدنيا يتلازم فيه الحق و الواجب.
ـ هذا الشكل المدني أساسه التعاقد الاجتماعي مصدر السيادة فيه الإرادة العامة مبدؤه التعددية وغايته الحرية و الخير المشترك. و على هذا النحو يتحقق التوافق بين السيادة و المواطنة
ـ التصور التعاقدي على قيمته في حل معضلة العلاقة بين السيادة والمواطنة يمكن تنسيبه من جهتين بنيوية و تاريخية
ـ لا يمكن تجاوز حدود هذا التصور التعاقدي إلا ضمن أفق نؤسس فيه نموذجا كونيا للمواطنة
ـ التفكير في الشأن السياسي لا يستوفي معناه الإنساني إلا بتحريره من العقلانية الأداتية و تأسيسه على عقلانية حوارية